الطيار الصغير

  • ابراهيم جوابراة

مثل كثير عائلات بالمخيم، كان ابوي مزارع وامي ربة بيت، وهي فعلياً رب البيت، مش لأنه ابوي محكوم، بس لأنه احنا عيلة مكونة من ١٨ أخ وأخت وأضف إلى ذلك ٧ بساس،

و١٠ ارانب، و١٤ جاجة وبقرة و١٠ خرفان، فأصلاً فش خيار الا انه تكون رب البيت طالما ابوي وقته كله بالشغل والزراعة، رب البيت بالحب والعطاء، بالتربية والإدارة، بالطبيخ والخياطة، امي كانت بالنسبة الي المعلّم الاول.

عيلة فيها هذا الكم من الناس، أقل شي محتاجة طاقم موظفين وشركة حماية وورقة يانصيب وخال ثري بفنزويلا ومقطوع من شجرة وامي اخته الوحيدة، ويموت فجأة ونقبر اخته للفقر.

بس للاسف خالي الوحيد ورثنا الضغط والصلع والسكري، بالاضافة لاكياس الرز والسكر الي كانت تيجينا بالاعراس ومضطرين نرجعها، صرنا ندور ع كفيل لناخذ قرض من البنك.

عشت بالمخيم ١٨ سنة، الحياة بالمخيم غريبة عجيبة، كنا ننتظر دورنا بالساعات أنا وامي لحتى ناخذ حصتنا من السردين والحليب والسكر، دور بالساعات عشان نفوت عيادة الوكالة، وبالاخر ناخذ اكامول، بعيادة الوكالة اذا كان عندك سكري ولا التهاب مفاصل ولا حامل ولا عندك شلل نصفي او مشكلة بالهرمونات، بالاخر بطلعلك كم حبة اكامول.

بالمخيم مؤسسات الاونروا لونها ازرق، المدرسة ازرق وكيس الحليب ازرق ومريول الروضة ازرق وقميص المدرسة ازرق ومواسير المجاري ازرق، بس كل شي ازرق عكس الفضا، وعكس المساحات الكبيرة والواسعة، عكس السما، كل شي ازرق بالمخيم كان صغير وضيق، لهيك معظم سكان المخيم عندهم ربو.

ولهيك صرت بعدين برسم كثير أشياء لونها ازرق، حتى لو لونها الأصلي اصفر.

بالمخيم تنكة الزيت الفاضية بتصير عرباي، وخشبة من جنب الحاوية بتصير مسدس، وعلبة لبن فاضية بتصير تلفون، وجسمك بصير قطع بأي لحظة.

بالمخيم اختبرت الموت، بس ما فهمته، كنت بشعر في شي ناقص بس ما بعرف شو هو لحتى كبرت شوي واكتشفت انه كان عندي صديق مقرب كثير، استشهد، بس ما فهمت ليش

بالمخيم ما في شي اسمه مرض نفسي او اكتئاب، اصلا ما في وقت لتكتئب، فش غرفة تقعد فيها لحالك وتصفن بأمور الكون والعباد، لدرجة اذا اجا ضيوف فجأة ممكن اهلك يحملوك وينيموك عند الجيران، لانه فش وسع.

بالمخيم بتشوف الموت والفرح، المياتم والاعراس، الاولاد المحبوبين والاولاد المنبوذين، والعمال وهم مروحين من الشغل مكسورين، مثل اي مكان بس يمكن الفرق هو "المسافة"، بالمخيم ما في مسافة، الناس بتلبس مثل بعض وبتاكل مثل بعض وبتجوع مثل بعض وبتحزن وبتمرض وبتموت مثل بعض، بس بالمخيم بتحس انه في بيت كبير وقلب واحد، وشهيد واحد، كل المخيم.

مرة قررت اروح على دكتور نفسي، قعد معي وحكينا تقريبا ساعتين، لما خلصنا، قلي انت عندك بايبولر، قلتلوا والله يا دكتور في بس بستخدموش لانه بسحب كهربا كثير ، قلي مريض واهبل !!

البايبولر يا ابني هو مرض نفسي، اكتئاب حاد، اكتئاب ثنائي القطب .

بعدين صرت بفكر من وين بده يجي البايبولر يا حسرة، هلا اذا بدي احكي لامي  بتقلي الدكتور بضحك عليك عشان ياخذ مصاريك، وبعدين انت شو ناقصك، اكل ولا شرب ولا مصاري!

رجعت افكر بحياتي بالمخيم، صراحة الموضوع بضحّك، وبعيدا عن الاستعطاف والظهور بمظهر الضحية، بس انولدنا ببيئة جاهزة للموت.. حدث الكثير من الأشياء بحياتنا، بفكر لو حضرت فيلم يوصف ما حدث، بقول الكاتب والمخرج ببالغوا، مرات انك تتعرض لهذا الكم من الالم والرعب والخوف والموت بتكون محظوظ اذا خرجت انسان سوي، بكثير مرات بكتشف اني كنت عايش بمحل كنت فيه الشاهد ولمرات كدت ان اكون الشهيد، مرات كنت بحس اختباراتنا للحياة غير عادلة، انك تعيش وتكبر بذاكرة مليانة صور، صور لكل شي ممكن تتخيله، انت ما بتكون تغذي بذاكرتك، انت بتكون بتحرق فيها، بتألمها، انك تسمع  النزيف، تشوف الدم وهو بنز وما عندك مقدرة توقفه، هذا الشعور الأسوأ على الاطلاق.

بمحل من المحلات كان مشروعي بالحياة انه اتزوج لحتى يصير عندي اطفال، لاختبر معهم اشياء ما اختبرتها بطفولتي، اشتريلهم اشياء كنت بتمنى بيوم اكون بمتلكها، لهيك مرات بحس اني لسه طفل، وما زلت بنبسط لما بشتري بلوزة جديدة وكأني بشتريها لأول مرة.

مرات بكون ماشي بالبيت وبسمع موسيقى " باخ " جاية من

المطبخ، الموضوع جد بضحكني، بتخيل اذا امي اجت على البيت وسمعت الموسيقى، بتحكي الولد ابصر مين ساحروا، عاملوا عمل، بتصير تقرا علي قرآن..

مرات بحس بدي ارجع للمخيم، ارجع للبيت، بس بكتشف اني عالق بالنص، لا قادر ارجع ولا قادر اضل، بتمنى لو اني عصفور، كل غصن بهالكون الي وبوسع رجلي. وانا صغير كنت بحلم اطلع طيار، مثل كثير اولاد بالمخيم بدهم يصيروا طيارين، لحد ما اكتشفت انه اكثر مكان مرعب هو المطار، والكل بده يسألك كيف وصلت هون، بصير اتخيل انه بلحظة طفت الاضواء وموسيقى رافت الهجان بالخلفية وبترفع راسك لفوق وعينيك بعينيه او عينيها وتحكيله مثل ما حكى محمود درويش "قتلتني، ونسيت مثلك أن أموت".