النساء الفلسطينيات وشرف العائلة: إفراط في الحراسة وتفريط في الحماية

  • آلاء الحج يحيى

يصف القتل "بدافع الشرف"، هذا المصطلح المختلف عليه في الأدبيات النقدية، قتل النساء أو الفتيات

من قبل أحد أفراد الأسرة الذكور، مبررين أفعالهم من خلال الادعاء بأن الضحية قد جلبت العار لاسم العائلة، غالبا من خلال ممارسة الجنس قبل الزواج أو خارج إطار الزواج.[1] لكنه لا يقتصر على هذا، بل قد يأتي نتيجة اتهامات تجاه النساء بتصرّفات شتى "مُخالفة للأعراف المجتمعية" من وجهة نظر أفراد العائلة الآخرين، حيث يرونها قد تزعزع مكانة ذكور العائلة. بناءً على هذا المفهوم، تصرفات من هذا النوع تمس بسمعة الذكر المقرونة بتصرفات نساء عائلته. هنالك من يصنفون جرائم الشرف هذه على أنها سلوك جماعة عرقية أو ثقافة معينة، وأن الثقافة نفسها هي المصدر الرئيسي للعنف الإجرامي. نتيجة لذلك، نشأت وصمة عار سلبية بشكل واسع حول الثقافات والمجتمعات، ولا سيما المجتمع الإسلامي في فلسطين وكذلك في أنحاء العالم، حيث تنتشر "جرائم الشرف" بشكل خاص. كما سأوضح لاحقا في هذا المقال، فإن الأمر أكثر تعقيدا من الطريقة التي يتم عرضه بها.

 

في أحد أبرز مقالاتها تدّعي أبو لغد بأن تسمية وتعريف أشكال العنف قد يكون له آثار إيجابية في مجتمعات معينة. وذلك لما له من دور في الإصلاح القانوني، مساعدة الحكومات والمجتمعات على الوعي بخطورة العنف ضد المرأة، وذلك من شأنه المساهمة في بناء وإنشاء الملاجئ وبرامج تدريب الشرطة والجهود المختلفة من أجل مساعدة هذه النساء. ولكن السؤال هو "هل نستطيع تحقيق هذه الأهداف من دون تعريف الأفعال العنيفة تجاه النساء بطريقة قد تكرس الصورة السلبية للإسلام أو المجتمعات الاخرى والذي من شأنه أن يسبب العداء أو العنف؟"[2] أخترت أن أقتبس هذا الاقتباس من ليلى أبو لغد في مقدمتي هذه، حتى أبين مدى التعقيد والحذر الذي يجب أن نتوخاه عند استعمالنا لمصطلح "القتل على خلفية شرف العائلة".

في سياق الفلسطينيات داخل الخط الأخضر، تقرير  "كيان - تنظيم نسوي" (أبريل، 2021)،[3] يظهر ارتفاعا مخيفا في عدد حالات قتل الإناث الفلسطينيات خلال العقد الماضي (2011- 2020). تم قتل 95 امرأة، من قبل ابائهن أو أقاربهن الذكور. ولكن على الرغم من هذه الإحصائيات المقلقة، فإنه لا يتم التعامل مع هذه القضايا بشكل مناسب وجدي سواء من قبل النظام القضائي الاسرائيلي أو من قبل الجهات الحكومية الاسرائيلية[4]، ولا حتى من قبل المجتمع الفلسطيني نفسه، حيث في الكثير من الأحيان، يكتفي بالامتعاض والاستنكار. كذلك، تتردد النساء الفلسطينيات في التوجه الى الشرطة أو أية جهة حكومية اسرائيلية، والسبب يعود، من جهة، الى تاريخ الاضطهاد الذي يتعرض له الفلسطينيون، ودور الشرطة الاسرائيلية في تقوية والحفاظ على  الممارسات الاستعمارية،[5] ومن جهة اخرى  يعود أيضا الى حقيقة الواقع الأبوي الذي تتواجد فيه هذه النساء، والذي بدوره يمنعهن من الكلام عن هذه الممارسات تفاديا لخطر أكبر.[6] بالاضافة الى ذلك، تشير منار حسن في مقالها "سياسة الشرف: النظام الأبوي، الدولة وقتل النساء على خلفية شرف العائلة"، الى أنه في الحالات النادرة التي وجدت النساء الفلسطينيات الشجاعة لطلب المساعدة، في الغالب قامت الشرطة بإعادتهن إلى عائلاتهن.[7]

بالرغم من التشكيك التاريخي تجاه عمل الشرطة، فإن أعضاء الكنيست الفلسطينيون ونشطاء حقوق الإنسان الى جانب الجهات النسوية، يطالبون باستمرار بمزيد من التدخل من قبل الشرطة من أجل إنقاذ حياة النساء.[8] تهيمن مطالب المزيد من تدخل الشرطة على الخطاب الفلسطيني كونه الحل المنشود لقضية "القتل على خلفية شرف العائلة". في السنوات الأخيرة، تصاعدت النداءات من أجل تطبيق القانون وبالتحديد القانون الجنائي، ليس فقط من أجل وضع حد للقتل على خلفية شرف العائلة وإنما لوضع حد للجرائم الحاصلة في داخل المجتمع الفلسطيني في داخل الخط الأخضر.[9]

تأتي هذه الخطابات في وقت فريد يمر به العالم، والذي أثرت فيه الحركات الداعية الى إلغاء دور الشرطة، وكذلك حركات "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter)، هذه الحركات التي تدعو الى إلغاء دور الشرطة بسبب العنف الذي تمارسه على الأقليات والمجتمعات المضطهدة. تدعو "حركة إلغاء دور الشرطة" الى استبدال النظام الشرطي بأنظمة أمان إجتماعي أخرى، كما يدعون الى تقليص الميزانيات الممنوحة الى أقسام الشرطة، ونقل بعض المسؤوليات التي تقوم بها الشرطة الى منظمات مدنية مجتمعية وخدماتية. من المهم الإشارة هنا الى أن مساعي هذه الحركة قد تم انتقادها من قبل أكاديميين وساسة، وكان من أهم ادعاءاتهم، بأن تقويض عمل الشرطة أو تفكيكها، سيقود الى مزيد من الفوضى وعدم السيطرة الذي سينتج عن تسليح المواطنين لأنفسهم.

من دون شك، فإن الحركة النسوية في أمريكا، حتى ايامنا هذه، تدعو الى زيادة وتشديد العقوبات التي تتعلق بالقضايا النسوية والجندرية، وتؤمن بأن عقوبات السجن الأشد والأقسى ستساعد في حل هذه القضايا. وبالرغم من ذلك فإن هناك أصوات نقدية في داخل الحركة النسوية البحثية والأكاديمية الامريكية تنادي بتقليل التدخل الشرطي.[10] وعليه، فإننا عندما نطبق هذه التوجهات على السياق الفلسطيني، فإن المأزق يظهر جليا: كيف نستطيع حماية حق النساء الفلسطينيات في الحياة من دون الاعتماد في ذلك على أكثر سلطة قمعية في الدولة الصهيونية؟

طبعًا أذكر هذه المقارنة، مع حفظ ووعي للتحفظات والاختلافات بين الحالة الفلسطينية، وحالة الأفارقة الأمريكان، كونهما مجموعتان مختلفتان في سياقها التاريخي والنضالي. اختلاف آخر لا بد من ذكره بهذا السياق، هو كون العنف الذي يواجهه الأفارقة الأمريكان موجه إلى الذكور في المجموعة من قبل المؤسسة أولًا، بينما الفلسطينيات، تواجه عنف جندري مركّب من نوع آخر، إلا أن أوجه التشابه كذلك كبيرة بين المجموعتين في مواجهتها للمؤسسة وفي دور الحركة النسوية في مكافحة نوعي العنف.

في أمريكا، تنتقد النظرية النقدية، وكذلك مؤيدات النسوية السوداء، ترسيخ السيادة عن طريق الاستعانة بالقانون الجنائي.[11] تشير هذه الآراء الناقدة بالأساس على كون حركات ومنظمات حقوق الإنسان بشكل عام، والحركة النسوية بشكل خاص (والتي يتم تعريفها في الدوائر النقدية باسم النسوية الاعتقالية -Carceral Feminism) تعتمد بالأساس على القانون الجنائي لتعزيز حقوق النساء.[12] من خلال تشجيع الحاجة الى تعزيز القانون، فإن الأجهزة الداعمة الأخرى مثل مبادرات تمكين المجتمع المحلي أو برامج الرعاية ستعاني في الدرجة الأولى.[13] تصاعدت هذه الآراء الناقدة خاصة بعد الاحتجاجات ضد العنف الممارس من قبل الشرطة والعنصرية الممنهجة التي اندلعت بعد مقتل جورج فلويد.[14] لفت هذا الحدث انتباه الجماهير تجاه قضايا أخرى،[15] داخل وخارج أمريكا، والتي تظهر الفشل المتأصل في نشاط الشرطة عند التعامل مع مجتمعات الأقليات العرقية.[16] شملت الانتقادات الأخرى أيضا جدالا حول عسكرة الشرطة، واعتبار المجتمعات المهمشة كتهديد، وبالتالي تبرير العنف الشديد المستعمل ضد هذه المجتمعات.[17]

إن استحضار الإلهام من هذه التجارب الى السياق الفلسطيني، يجعل من الممكن معالجة القضية من زوايا جديدة. إن ظهور الحركة النسوية الاعتقالية الأمريكية من الممكن أن يكون دراسة حالة بالغة الأهمية للمجتمع الفلسطيني الذي يشهد بدوره صعود الحركة النسوية الخاصة به. ونظرا لتأثير حركة العرق النقدية على القضية الفلسطينية،[18] فإن إلقاء نظرة متأنية على تأثير المزيد من أعمال الشرطة على النساء في المجتمعات المهمشة هو بمثابة علامة تحذيرية للحركة النسوية الفلسطينية. من ناحية أخرى فإنه يتعين على المرء توخّي الحذر حين يطالع الأفكار المقدمة كبدائل للنماذج التقليدية لإنفاذ القانون، مثل أعمال الشرطة الموجهة نحو المجتمع المحلي في أمريكا،[19] حين يتم ملائمتها للسياق الإسرائيلي فإن من شأنها ليس فقط أن تديم الاعتماد على الدولة، بل تزيد من زج المرأة الفلسطينية في بيئات يتحكم الرجال المحافظون الذكوريين في أمنها وسلامتها.

ينبغي للأبحاث القانونية أن تبحث عن طرق جديدة للتفكير في هذه المسألة لمعالجة السيرورات الاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني وتمكين المرأة الفلسطينية. كما ويتعين على الأوساط الأكاديمية القانونية أن تتبنى النظريات النقدية التي تتحدى الرواية المهيمنة التي تدعو الى تعزيز الدولة العقابية (Carceral State). إضافة إلى ذلك ذلك، ينبغي أن نشجع ونعزز السياسات والدراسات التي تركز بشكل أكبر على الروايات والاحتياجات المستندة على المجتمع نفسه.[20] وبهذه الطريقة سيتمكنون من ملائمة الرؤى التي استمدوها من الخطاب النسوي النقدي ومن الخطاب العرقي الأمريكي في السياق الفلسطيني.

إن تطبيق الخطاب النسوي النقدي الأمريكي على السياق الفلسطيني يوفر منظورات جديدة. والعكس صحيح - ان ظاهرة القتل "على خلفية شرف العائلة" والخطاب الفلسطيني عامة، من الممكن أن يثري النقاش الأمريكي ويضيف دلالات جديدة للحوار بين النسوية التي تسعى الى المزيد من التدخل الشرطي والحركات العرقية التي تسعى الى قدر أقل من ذلك التدخل. حتى يصبح هذا التصور حقيقة، من المهم زيادة ورفع الوعي تجاه الحدود التي يجب أن توضع على التدخل الشرطي وتأثيره على مجموعات معينة في المجتمع.

 

آلاء الحج يحيى هي طالبة دراسات عليا في كلية Yale للقانون (٢٠٢٢). حصلت على درجتي الماجستير في القانون (٢٠٢١) وعلم الانسان (٢٠٢٠) ودرجتي البكالوريوس في القانون (٢٠١٧) وعلم الاجتماع وعلم الإنسان (٢٠١٩) من جامعة تل أبيب. عملت الاء في جامعة Yale  (٢٠٢١) كزميلة Fox.

 

تأتي هذه الزاوية بالتعاون مع "إنسانيات ـ رابطة الأنثروبولوجيين الفلسطينيين" (اللوغو )

 

 


[1] Rochelle L. Terman, To Specify or Single Out: Should We Use the Term "Honor Killing"?, 7 Muslim World J. Hum. Rts. 1 (2010).‏

[2]Abu-Lughod, Lila. "Seductions of the “honor crime”." Differences 22.1 (2011): 17-63.‏

[3]https://www.kayanfeminist.org/sites/default/files/publications/%D9%83%D9%8A%D8%A7%D9%86_%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%91%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF_%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9.pdf.

[4] Masha Abarboch, A’tira: Hafsiku Lehahbi et Hakirot Retsah Hanashim HaA’rabiot [Petition: Stop Hiding the Investigation of Arab Women’s Murders], HaMakom Independent Magazine (Aug. 27, 2020), https://www.ha-makom.co.il/post-mash-new-arab/.

[5] Shalhoub-Kevorkian, Militarization and violence against women in conflict zones in the Middle East: A Palestinian case-study. Cambridge University Press, 2009.‏

[6] Manar Hasan, The politics of honor: Patriarchy, the state and the murder of women in the name of family honor, 21 J. Isr. Hist. 1 (2002);‏ Vered Levi, HaStatistika Hamara al Retsah Hanashim Ha’Araviot Meshakefet Haznaha Posha’at shel Hamemshala [The Bitter Statistic on Arabic Women’s Murders Reflects Governmental Criminal Negligence], Haaretz (Dec. 12, 2018), at https://www.haaretz.co.il/news/education/.premium-1.6741106; Suhad Bishara, The colonial heritage of Israel’s police, +972Magazine (Oct. 6, 2020), https://www.972mag.com/israel-colonial-police-palestinian-citizens/.

[7] Hasan, supra note 4.

[8] Michael Milstein, Hamishtara VeHaHevra HaAravit Nigshu LeMivhan Meshutaf, VeAsur Lahen Lehikashel [The Police and the Arabic Society Entered to a Joint Test They Mustn’t Fail], The marker (Nov. 17, 2019), https://www.themarker.com/news/politics/1.8135471; Rawia Aburabia, Hapoligamiah BaMishpat HaIsraeli: Likrat Gisha Hibridit ]Towards a hybrid paradigm of Polygamy in Israeli Law - a reflexive journey following the work of Richard T. Ford[, 11 Ma’sei Mishpat 53 (2020).

[9] e.g. Aburabia, supra note 6.

[10] Janet Halley et al., Governance feminism: An introduction (2018); Karen Engle, Anti-Impunity and the Turn to Criminal Law in Human Rights, 100 Cornell L. Rev. 1069 (2014); Aya Gruber, The Feminist War on Crime, 92 Iowa L. Rev. 741 (2006); Aya Gruber, The Feminist War On Crime: The Unexpected Role Of Women's Liberation In Mass Incarceration (2020).

[11] Aya Gruber, Carceral Feminism at a Crossroad, LPE (August 4, 2020), https://lpeblog.org/2020/08/04/carceral-feminism-at-a-crossroad/.

[12] Mattia Pinto, Historical Trends of Human Rights Gone Criminal, 42 Hum. Rts. Q. 729 (2020).

[13] Hila Shamir, A Labor Paradigm for Human Trafficking, 60 UCLA L. Rev. 76 (2012).

[14]Shamir, supra note 9; Gruber, supra note 9.

[15] See, e.g., Leigh Goodmark, The Unintended Consequences of Domestic Violence Criminalization: Reassessing a Governance Feminist Success Story, in Governance Feminism: Notes from the Field, 124 (Janet Halley, et al., eds., 2019); Kristin Bumiller, In an Abusive State: How Neoliberalism Appropriated the Feminist Movement against Sexual Violence (2008).

[16] Emma Elms, Goal 10: Reduced Inequalities ‘BLACK PEOPLE ARE OVER-POLICED AND UNDER-PROTECTED’ The stark racial inequality in policing has to stop, Togetherband (July 24, 2020), https://togetherband.org/blogs/news/black-people-are-over-policed-and-under-protected.; How George Floyd’s death reverberates around the world, Economist (June 8, 2020),

https://www.economist.com/international/2020/06/08/how-george-floyds-death-reverberates-around-the-world; Michael Safi, George Floyd killing triggers wave of activism around the world, The Guardian (June 10, 2020), https://www.theguardian.com/us-news/2020/jun/09/george-floyd-killing-triggers-wave-of-activism-around-the-world.

[17] Eliav Lieblich & Adam Shinar, The case against police militarization, 23 Mich. J. Race & L. 105 (2017).

[18] Noura Erakat & Marc Lamont Hill, Black-Palestinian Transnational Solidarity: Renewals, Returns, and Practice, J. Palestine Stud., Aug. 2019, at 7.

[19] Charlotte Gill, et al., Community-oriented policing to reduce crime, disorder and fear and increase satisfaction and legitimacy among citizens: A systematic review, 10 J. experimental criminology 399 (2014).

[20] Kwame Anthony Appiah, The Honor Code: How Moral Revolutions Happen (2010).

أرشيف فلسطين الشباب