أصنام الخوف التي زرعوها في رؤوسِنا

  • أسعد صفطاوي

-1-

"أيُّ صفحٍ بعدَ كلّ تلكَ المعرفة؟" هذا ما آلتْ إليه الأمور مع جيرونشن بطل إليوت بعدَ أن رأى ما يشبه الطريق المسدود، أو النهاية الميتة.

هذا العفنُ الطبيعي لبكتيريا التفكيرْ، بالضبط كما عفن الفطرِ، وعفنُ اللبن النازل من ثدي بقرة،

وربما الأجدر بأن لا يعلمَ الجميعَ ما المقصود هنا، لأنهم لو علموا، سيكتشفون تعلّقهم الهشّ بالأفكار المسبقة، وبما ورثناه، وربما يختلّ الميزانُ الذي يُفكّر لذلك المستقبل اللامعلومْ.

-2-

بطل قصة هنري باربوس (الجحيم) يقولُ: "كنتُ أرى نفسي في المرآةِ الطويلة الضيّقة المعلّقة في واجهة ذلكَ المحلْ، قادمًا يلوحُ عليّ الشحوبُ والنعاسْ، لستُ أريدُ امرأةً واحدة، إني أريدُ النساء جميعًا، إني أبحثُ عنهُنّ بينَ من حولي من النساء، واحدة بعدَ الأخرى..

ولمْ أستطع المقاومة، فتبعتُ عواطفي بصورة عرضية، تبعتُ امرأةً كانت ترقبني من زاويتها، ثمّ سرنا جنبًا إلى جنب، وقلنا بعض الكلمات، وأخذتني معها إلى بيتها، ومرّ المشهد المعروف، ومرّ.. كأنّهُ سقوطٌ عنيف مفاجئْ..

ورأيت نفسي على الرصيفِ ثانيةً، لا أشعرُ بالطمأنينة التي كنتُ أُمنّي نفسي بها، وإنّما أحسّ باضطرابٍ مُربِكْ، كنتُ وكأنني لا أرى الأشياء على حقيقتها، كنتُ أرى أكثر من اللازم، وأعمق من اللازمْ"

هو اللامُسمّى في القصة، يظلّ بلا اسمٍ طيلة القصة، يقولْ: "لا أملكُ شيئًا، ولا أستحقّ شيئًا، وبالرغم من ذلك، أشعرُ بالحاجة إلى تعويض"

كولن ولسون في اللامنتمي يصفهُ: " وإنّ الحاجة التي يحسّها في نفسه للنساء ليست حيوانية تمامًا، وليسَ لدى هذا الرجل شيءٌ من النبوغ، ولا غايةً يحقّقها، لا مشاعر ذات قيمة ليمنحها"

-3-

غنِّ معي

تحجّرت.. بعِدْ ما اتصخّر القلب، وشجّرت.. صارت حطب، شعّلوا النار، شردت، وقعت، رجّعوها، رموها، ضحكت، رقصت في النار، طارت في الهوا، ومَطَّرت، رجعت حرّة هالزتونة.. رجعت حجرْ

-قطع-

الحب بينسّيك اللهجاتْ، بيرجعك لامّك، للهجِتكْ الإمْ يعني.

-5-

لا زالَ على هذه الحياة لا مُنتمٍ يُصلبْ، ولا زالَت هناكَ كائناتٌ فوضوية لم تستحق الحريّة بعدْ.

-6-

إن كنتَ مِمَنْ يبحث عن وطن في هذه الجغرافيا، فاعلم أنّ الجغرافيا لم تمنحكَ صفة الوجْدْ، أنتَ تائهُ ومستمتعٌ بذلكْ، لذا فلتخرس الجغرافيا والحدود وإدارة الجنسيات في البلادْ، ولتبقَ رهنَ البحث عن وطنٍ في قلبِ حبيبتك.

-7-

لو أعطوكَ بيتًا، ستسألُ عنِ بردِ الليلِ وجوعِ الصباح!

أنتَ الحيّ الوحيد الذي ينساهُ الموتُ نائمًا فوقَ كلامِ الساسةِ في الجرائدِ اليومية.

-8-

ثُرّ على كلّ المدنْ التي أنشأتها وشيّدتها في رأسِكَ، أعِدْ ترتيبَ الأشياءِ، يُمكنُكَ الهدم لو أردت، يُمكنكَ تعيينُ الحراسة على الأفكارِ التي فقدتْ أمنها، يُمكنكَ تحديد البنايات التي تحتاجُ الترميمْ مثلًا، يُمكنكَ قلبُ الأفكارْ، أو دمجَها، أو فكّها، يُمكنكَ تغييرها كليًّا، ولا تخفْ إن كنتَ مؤمنًا على ما تؤمنْ بهِ.. بعثرْ كلّ ثوابِتِكَ، حتى التي يستحيلُ المساسُ بها، ابدأ بها أولًا، حتى اسمَكَ، أو عمركْ.. كيّ تعرفَ كلّ صباحٍ تستيقظُ فيه أنّكَ حرٌّ كما ولدَتكَ أمّكَ، وأنّ كلّ ما في رأسِكَ واجبُ التكّ والنفْض لأنّ الحرية والثورة وازعاكَ اللذان يدفعانكَ أن لّا تؤذي أحدًا، وهذا أقلّ القليل.

-9-

أيتها السجون الشاسعة، نحنُ أحرارُكِ الذينَ رفضوا ثم تمرّدوا فحوكموا بالردّة، وعلّقتهم المشانق الأبدية، فوُلِدوا مِنْ جديد.

أيتها السجونُ الشاسعة، لنْ أجري في خلاك، سأحفرُ في الهواءِ أنفاسي

أيتها الحياة، اتركينا لحالِنا، نُقطّعَ العمرَ كيفَ نحصيهِ إذ غدا ولمْ يعدْ

نقلّبُ الصفاتَ بمجازِها ونُطلِقها على غيرِنا، كي تذوبَ أصنامُ الخوفِ التي زرعوها في رؤوسِنا..

فأخلاقيًا.. أنا ثوريّ .

أرشيف فلسطين الشباب