ما كُنتُ أخشاه!
أنصار دباس

على حاجزٍ ينتشرُ عليهِ من لا يُشبهوننا، هذا ما كُنتُ أخشاه، أن يُصبِحَ أمري بين يديّ فتاةٍ صغيرة مُجنّدة ببُندقيّة،

تُبقيني برفقة المئات ممّن سبقوني إليه أتأمّلُ ملامحها، عنادها، إصرارها ورفعها البندقيّة في وجوه الجميع حينَ تجد أنّها على مقربةٍ من فُقدان السيطرة، وما الذي يُريده واقفٌ على الحاجز؟ أن يدخل المسجد الأقصى ولا يموت الآن.

 

هذا ما كُنتُ أخشاه، أن تدقّ الساعة العاشرة والنصف فيُعلَن أنّه تمّ السماح للجميع بالعبور، فأبتسمُ كأنني أشكرُ تلك الفتاة المجنّدة، وأصرخ مع المئات غيري صرخةَ مُنتَصِر لكن بعد هُنيهةٍ من ذلك يجتاح ملامحي الكثير من الألم والرفض لكلّ هذه المسرحيّة التي نحنُ بها دُمى.

ينتشرُ على حافّةٍ أعلى من الأرضية التي نقفُ عليها العديد من الشّبّان المجنّدين، أنظرُ إلى الماء الذي يشربونه في هذا اليوم فيشعرُ جسدي بالانتفاض والرفض لما يدخلُ اجسادهم من ماء، وتلقائياً دون أن أجمّع الكلمات في فمي ينطلقُ لساني وقلبي مرتّلين العديد من الأدعية فتعود ملامحي للهدوء من جديد.

هذا ما كُنتُ أخشاه، أن أتجاوز الحاجز بعد كلّ تلك الصرخات المجنّدة بالتهديدات التي تصمّ آذاني فأجدُ نفسي في الداخل. مساحة واسعة لمن لا يُشبهنا ديناً ومساحة آخذة في الضيق لمن جاء للصلاة في المسجد الأقصى، أقتربُ من المنطقة المهيأة لهم فينتفض جُندي إسرائيلي على مقربة ، يخافُ من حضوري المتجبّر في تلك المنطقة، تطيحُ في رأسه العديد من المخاوف فيجيء لطَردي بعربيّته الثقيلة، أحاولُ ان أفهم ما يخرج من ذلك الفم فلا أجدُ شيئاً، أستمرّ في المضي في طريقي وهوَ يُطاردني تسبقه بندقيّته، تحسستُ الأمر ووجدتُ الجميع يسيرون في الاتّجاه البعيد عنّي فخرجتُ من المنطقة على وجه السُّرعة!

هذا ما كُنتُ أخشاه أن أبتسم لشوارع لم نكُن من قمنا بتعبيدها ولا حتى تنظيفها، أن أبتسم لهواء يحملُ ريحَ المسجد الأقصى في أرضٍ يُقال بأنّها يهوديّة صرفة!

هذا ما كُنتُ أخشاه أن لا أجد فُسحةً تكفي لقدم أجلسُ إليها وأنظرُ إلى القبّة الذهبية، أكون أمامها كعاشقٍ تمنّى رؤيةِ معشوقه لآخر مرّة يطمئن على أنّه بخير ومن ثمّ يُسلّم روحه للسلام والأمن مما على هذه البسيطة.

ما كُنتُ أخشاه، أن يُصبح الدفتر الذي احضرته للكتابة موطئاً لجسدي يُسنده بعد طولِ تعب، وأنظرُ إلى القُبّة متحسّراً فلا أجدُ متعتي بين الملايين الذين جاؤوا للصلاة فيها، وحينَ قرّرتُ العودة بعد الصلاة جعلتُ أقول سيبقى ذهابي للمسجد الأقصى في هذا العام سرّاً، سأنكره حتى تجيء اللحظة التي أزوره فيها دونَ مَن كانوا. وهذا ما كُنتُ أخشاه.   

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.