سطوة المكان على الخيال
حمزة شباب

المكان ذلك الحيز الذي فيه يعيش كاتب ما، فهو مرآة المنهج الحقيقي للنص، و المونولوج الدقيق للمبدع، تنطوي عليه تلك القيم الجمالية

التي يشتغل عليها بمستوياته المختلفة و المتنوعة، ويخلق قيمة للخطاب النقدي مشحونة بالعطاء و الموازنة، ويبرز قيمة المنجز في رسم معالم اللغة المتداولة، فهو أحد عوامل تموين القلاع الأدبية و الصروح الشعرية، جاعلا منه كيانا ذا خصب كثيف، و جامعا لغة معجمية لكتاباته المؤلفة من ركن منسي إلى فضاء اللاحدود.

 

ثقافة المكان توجه النسق الإبداعي في الكتابة و الفنون بشكل عام، حيث أدرك كثير من المبدعين خواصها الفاعلة في الإنتاج، فكما أنهم يخاطبون جمهورهم بالغياب دائما لا بالحضور؛ يخفون سر حلاوة ما يكتبون بالمكان الذي فيه يتواجدون، أو يتواجد ذلك الملقن الذي يجعل النص جديرا بالاهتمام، فالكاتب الإيطالي غابريال دانونزيو مثلاً و في أثناء تحليق الطائرة فوق إحدى قرى إيطاليا أُعجب  بقرية أذهله جمالها الخلاب، و قرر شراء بيت فيها، وهذا ما فعله حين توجه للقرية ودخل أحد البيوت صدفة، هذا البيت أصبح بيته الأبدي، كان عاديا مربع الشكل، وملحق به حديقة كبيرة، لكن تنبعث من داخل ديكوراته دلالات فنية، وكان فيه بيانو ومكتبة مليئة بالكتب المثيرة والمهمة التي تركها السكان الأولون، واعتبر دانونزيو هذا فأل خير عليه، ووصفت الأديبة الإنجليزية فيرجينيا ولف بيتها فقالت: "أنا مدينة لتلك الانفعالات التي ولدها هذا البيت في نفسي طيلة حياتي " ومن الجدير بالذكر أنها أصيبت بالاكتئاب بعد تدميره في الحرب العالمية الثانية فقررت إنهاء حياتها .

ويبقى المقهى العربي من أهم معاقل الأدباء والمفكرين العرب، كمقهى الفيشاوي الذي نبعت معظم أعمال المصري نجيب محفوظ فيه، تتلاقح فيه مشاكل الناس وهمومهم تلاقحا مجانيا بطقوس الحالة الثقافية، لتزهر الجمال الواقعي في هيئة التجلي، يقول تيودور أدورنو رائد مدرسة فرانكفورت في ألمانيا: "الكتابة بالنسبة لكائن لم يعد لديه وطن تصبح المكان الذي يسكن فيه".

روعة المكان في القهوة العربية عندما يكون المبدع حرا و منسيا في خياله، تنساب الكلمات عندما يكون وحيدا في المقهى، مع ذاته، بين أوراقه، يبسط قلمه، يسمع و يشاهد، يترجم و يؤوّل، يفرض ويسمح بحواسه، يشتم رائحة الفحم المدقع، يراقب أثر كأس الشاي على طاولة الزمن، فينطق.

يقول محمود درويش متذكرا الغرفة الداخلية في مقهى "دوزان":

مقهى،

وأنت مع الجريدة جالس في الركن منسياً

فلا أحد يهين مزاجك الصافي

ولا أحد يفكر في اغتيالك

كم أنت منسي و حر في خيالك!

 

فلسطين، عمان

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.