بحثاً عن العزاء
أورهان باموق

إن القدوة الكبيرة الأولى للكاتب الحر المستقل الذي يقرأ الكتب باستمتاع ويناقش أفكار غيره

وهو يصغي إلى صوت ضميره فقط، ويبني أفكاره وعالمه الخاصين في حواره المتواصل مع الكتب، إنما هو مونتانييه الذي هو نقطة انطلاق الأدب الحديث. كان أبي يعيد قراءة مونتانييه المرة بعد المرة، وينصحني بقراءته. أريد أن أرى نفسي بوصفي جزءاً من التراث الأدبي للكتاب الذين ينفصلون عن الجماعة، ويختلون في غرفة مع الكتب، وقد وجدوا في كل بقاع الأرض بمشارقها ومغاربها. حيث يبدأ الأدب الحقيقي ـ بالنسبة إليّ ـ حيثما وجد أشخاص اختلوا في غرفة مع كتبهم. الكاتب الذي اختلى بكتبه في غرفة، وانطلق في البداية في رحلة داخلية، سوف يكتشف ـ مع مرور السنوات ـ القاعدة التي لا غنى عنها لجودة الأدب: الأدب هو موهبة أن نحكي حكايتنا الخاصة، كما لو كانت تخص آخرين، وأن نحكي حكايات الآخرين كما لو كانت حكايتنا الخاصة. ولكي ننجح في ذلك، فإننا ننطلق من حكايات الآخرين وكتبهم.

 

كان أبي يملك مكتبةً من ألف وخمسمائة كتاب، قادرة على تلبية ما يزيد على حاجة كاتب. ربما لم أكن قد انتهيت من قراءة كل تلك الكتب في الثانية والعشرين من عمري، لكنني كنت أعرفها جميعاً. كنت أعرف أيها مهم وأيها خفيف وسهل القراءة وأيها كلاسيكي وأيها مما لا يمكن للتراث العالمي أن يستغني عنه وأيها شاهد على التاريخ المحلي، سيطويه النسيان لكنه مسلّ، وأيها لكاتب فرنسي منحه أبي اهتماماً كبيراً. أما عن مكاني في العالم في الحياة ، كما في الأدب ، كان شعوري الأساسي هو أنني "لم أكن في المركز". في مركز العالم ، كانت ثمة حياة أكثر ثراء وأكثر تشويقا من حياتي، وفي اسطنبول بأكملها، في تركيا بأكملها، كنت خارجه. أشعر اليوم أنني أشترك في هذا الشعور مع أغلب الناس في العالم. وبنفس الطريقة، كان هناك عالم للأدب، وكان مركزه، أيضا، بعيدا جدا عني. في الواقع ما كان في ذهني هو الأدب الغربي، وليس العالمي، وكنا نحن الأتراك خارجه. كانت مكتبة أبي دليلا على ذلك. في أحد أطرافها، كانت كتب اسطنبول أدبنا، عالمنا المحلي، بكل تفاصيله المحبوبة. وفي الطرف الآخر كانت الكتب الآتية من ذلك العالم الآخر، الأوربي، الذي لا يحمل عالمنا أي ملامح تشابه معه، وقد أعطانا عدم التشابه هذا ألما وأملا. أن تكتب، أن تقرأ.  كان مثل مغادرة عالم كي تجد عزاء في آخرية العالم الآخر، الغريب، العجائبي. شعرت بأن أبي كان يقرأ الروايات كي يهرب من حياته، ويفر نحو الغرب كما سأفعل لاحقا. كما بدا لي أن الكتب كانت في تلك الأيام أشياء نلتقطها كي نهرب من ثقافتنا، التي وجدناها ناقصة تماما. لم تكن القراءة هي الطريقة الوحيدة التي تركنا بها حيواتنا الاسطنبولية وسافرنا للغرب، فعلنا ذلك عن طريقة الكتابة أيضا. كي يملأ تلك الدفاتر، ذهب أبي لباريس، أغلق باب غرفته على نفسه، ثم عاد بكتاباته إلى تركيا.

إن عالمي هو مزيج من عالم محلي وطني وآخر غربي. بدءاً من عقد السبعينات، بدأت بدوري أكوّن لنفسي مكتبة طموحة. لم أكن قد قررت بعد، بصورة نهائية، أن أحترف الكتابة. كنت قد بدأت أدرك بأنني لن أصبح رساماً، كما قلت ذلك في كتابي: «اسطنبول»، لكنني لم أكن أعرف بالضبط أي طريق ستتبعها حياتي. كنت من جهة أشعر في داخلي بفضول عارم نحو كل شيء، ونهم مفرط التفاؤل للقراءة والتعلم، وأحس، من جهة أخرى، بأن حياتي ستكون "منقوصة" بطريقة ما، وبأنني لن أحيا كالآخرين. كان هذا الشعور يعود جزئياً إلى فكرة الوجود بعيداً عن المركز، بالطريقة نفسها التي كنت أحس بها وأنا أنظر إلى مكتبة أبي، وجزئياً إلى الشعور بأننا نعيش في ريف العالم، وهو شعور دفعتنا اسطنبول جميعاً إلى الإحساس به في تلك السنوات. ثمة هاجس آخر من هواجس الحياة المنقوصة، يتعلق طبعاً بمعرفتي المفرطة بأنني أعيش في بلد لا يمنح مبدعيه، رسامين كانوا أو أدباء، الكثير من الاهتمام، ولا يمنحهم الكثير من الأمل. الشعور الأساسي الذي كان ينتابني، في تلك الفترة، بصدد موقعي في العالم، هو هذا الشعور بالهامشية أو الوجود خارج المركز، سواء في الأدب أو في الحياة الواقعية. كنت أدرك بوجود حياة أكثر غنى وجاذبية في مركز العالم، مقارنة بالحياة التي نعيش، وبأنني خارج تلك الحياة، ومعي في ذلك كل سكان اسطنبول وتركيا. وأفكر اليوم بأنني أتقاسم هذا الشعور مع غالبية كبيرة من سكان العالم. بالطريقة نفسها، عرفت أن ثمة أدباً عالمياً له مركزاً بعيداً جداً عني. كان في ذهني، في الواقع، الأدب الغربي، لا الأدب العالمي. ونحن الأتراك كنا خارج هذا أيضاً. تؤكد هذه الحقيقة مكتبة أبي أيضاً. ففي جانب منها كان عالمنا المحلي ممثلاً بكتب اسطنبول وأدبها، هذا العالم الذي أحببته بكثير من تفاصيله، ولا أملك القدرة على التخلي عن حبه؛ وفي الجانب الآخر كتب عالم الغرب الذي لا يشبه في شيء عالمنا، ويمنحنا اختلافه الألم والأمل معاً. كانت الكتابة والقراءة تبدوان لي بمثابة خروج من أحد هذين العالمين، بحثاً عن العزاء في اختلاف الآخر وغرابته وخروجه على المألوف.

كنت أشعر، في بعض الأحيان، بأن أبي يقرأ الروايات في محاولة منه للهروب من العالم الذي يحيا فيه إلى الغرب، تماماً كما سأفعل أنا في ما بعد. أو أن الكتب بدت لي في تلك الفترة، كوسائل نلجأ إليها لتلافي هذا النوع من الشعور بالنقص ذي الطابع الثقافي. ليست القراءة وحدها، بل بدت الكتابة أيضاً نوعاً من السفر من اسطنبول إلى الغرب. سافر أبي إلى باريس، وأغلق على نفسه باب غرفته في الفندق، ليتسنى له ملء كثير من دفاتر الحقيبة، ثم عاد بما كتبه إلى تركيا. انتبهت إلى ما يسببه ذلك لي من ضيق وأنا أنظر إلى حقيبة أبي. بعد ربع قرن سلختها من عمري في غرفة أغلقتها على نفسي، لكي أبقى واقفاً على قدمي ككاتب في تركيا، بدأت أتمرد، وأنا أنظر إلى حقيبة أبي، على واقع أن الكتابة بحرية وكما تنبع من ذاتنا، هي عمل يتوجب القيام به خفية عن المجتمع والدولة والشعب. وربما لهذا السبب، بصورة خاصة، شعرت بالحنق على أبي، لأنه لم يحمل الكتابة على محمل الجد بقدر ما فعلت. الواقع أنني شعرت بالحنق عليه لأنه لم يعش حياة كحياتي، ولم يجازف بأصغر صدام من أجل أي شيء كان، وعاش بسعادة في قلب المجتمع وهو يضحك مع أصدقائه وأحبائه. لكنني أدركت، من جهة أخرى، بأن كلمة «الحسد» هي أكثر تعبيراً عن مشاعري من كلمة «الحنق»، وهذا ما سبب لي ضيقاً أكثر.

بينما أحملق في حقيبة والدي، بدا لي أن في تلك الحقيبة ما يثير داخلي ذلك الشعور باللاطمأنينة. بعد أن عملت في غرفة مدة 25 عاما كي أستمر في الحياة ككاتب في تركيا، أحنقني أن أرى أبي يخبئ أفكاره الذاتية داخل حقيبة، أن يتصرف كما لو كانت الكتابة عملا يجب أن نفعله في الخفاء، بعيدا عن عيون المجتمع، والدولة، والناس. ربما هذا هو السبب الأساسي الذي شعرت بسببه بالغضب من والدي لأنه لم يأخذ الأدب على نفس القدر من الجدية التي أعطيتها له

في الحقيقة كنت غاضبا من أبي لأنه لم يعش حياة مثل حياتي، لأنه لم يتعارك أبدا مع حياته، وقضاها سعيدا، ضاحكا بين أصدقائه وأحبابه. لكن جزءا مني كان يعرف أن باستطاعتي القول أنني لم أكن "غاضبا" بقدر ما كنت "غيورا" . إن الكلمة الأخيرة كانت أكثر دقة، وأن هذا، أيضا، أثار قلقي. يحدث هذا حين أسأل نفسي ، بصوتي الغاضب ، المستهزئ ، كما العادة: "ما هي السعادة؟" هل السعادة هي أن أفكر أنني عشت حياة عميقة في وحدة تلك الغرفة؟ أم أنها تكمن في أن تعيش حياة مريحة في المجتمع؟ مؤمنا بالأشياء نفسها التي يؤمن بها الجميع، أو في التظاهر بذلك؟ هل من السعادة، أو نقيضها، أن تمر بالحياة وأنت تكتب في الخفاء؟ بينما تبدو ظاهريا منسجما مع كل ما يحيط بك؟ لكن هذه أسئلة ناتجة ـ بوضوح ـ عن حالة مزاجية سيئة. من أين أتيت بتلك الفكرة القائلة بأن مقياس الحياة الجيدة هو السعادة؟ الناس، الجرائد، الجميع، يتصرفون كما لو كان مقياس الحياة الأهم هو السعادة. ألا يوحي هذا وحده أنه ربما كان من الجدير بالفعل محاولة تحديد إن كان النقيض التام هو الصحيح؟ فعلى أي حال، لقد فر والدي من عائلته مرات عديدة. إلى أي حد عرفته؟ ولأي درجة يمكنني القول أنني فهمت لا طمأنينته؟

هذا إذن ما كان يعتمل داخلي حين فتحت حقيبة أبي للمرة الأولي. هل كان لأبي سر ما، تعاسة ما لم أعرف عنها شيئا، شيء لم يستطع احتماله سوى بالتخلص منه بالكتابة؟ بمجرد أن فتحت الحقيبة، تذكرت رائحة السفر التي تميٌزها، تعرفت على عدة دفاتر. وأدركت أن أبي كان قد أراني بعضها منذ سنوات. لكن بدون أن نقضي وقتا طويلا في ذلك. معظم الدفاتر التي كانت قد أصبحت بين يدي الآن ملأها حين تركنا وذهب، كشاب، لباريس. وفي حين أنني، ككتٌاب كثيرين أحببت كتٌاب قرأت سيرهم وددت لو أعرف ما الذي كتبه أبي، وكيف كان يفكر حين كان في سني. لم يستغرق الأمر وقتا طويلا كي أدرك أنني لن أجد شيئا من هذا هنا. الأمر الذي أثار هواجس أقلقني أكثر من أي أمر آخر، كان حين أصادف، هنا وهناك في دفاتر أبي، صوتا يشبه الصوت الذي يتخذه الكتٌاب. ليس هذا صوت أبي، أخبرت نفسي. لم يكن أصيلا، أو علي الأقل لا ينتمي للشخص الذي عرفته كأبي. تحت خوفي من أن أبي لم يكن أبي حين يكتب، كان يوجد خوف أعمق: الخوف من ألا أكون أصيلا داخلي، من ألا أجد شيئا ذا قيمة في كتابات أبي، زاد ذلك خوفي من أن أكتشف أن أبي تأثر أكثر من اللازم بكتاب آخرين، ذلك الخوف الذي رمي بي في هوة يأس استولي عليٌّ تماما حين كنت صغيرا، واضعا حياتي، كينونتي، رغبتي في الكتابة، وعملي موضع التساؤل. خلال العشر سنوات الأولي من حياتي ككاتب، شعرت بشدة بهذه الهواجس، وحتي بينما كنت أدفعها عني ، كنت أحيانا ما أخشي أنه ، يوما ما ، سوف يتعين عليٌّ الاعتراف بالهزيمة كما فعلت مع الرسم، ومسلما لذلك الشعور باللاطمأنينة، أتوقف عن كتابة الرواية، أيضا.

بهذه الأفكار سرت نحو الحقيبة ـ التي لم تكن قد راوحت المكان الذي تركها أبي فيه ـ مستعينا بكل قوة إرادتي، تصفحت بعض المخطوطات والدفاتر. ما الذي كتب عنه أبي؟ أتذكر بعض المناظر من نوافذ فنادق باريسية، بعض القصائد، تناقضات، تحليلات. بينما أكتب يداخلني شعور شخص خرج توا من حادثة سير، ويجاهد كي يتذكر كيف حدثت، بينما يخاف في نفس الوقت عاقبة تذكٌر ما هو أكثر من اللازم. حين كنت طفلا، وأبي وأمي علي وشك العراك ـ حين يهويان إلي قاع واحدة من فترات صمت مميتة ـ كان أبي يدير علي الفور مؤشر الراديو، كي يغيٌر الجو، الموسيقي كانت تساعدنا علي نسيان كل شيء أسرع

دعوني أغيٌر الجو بقليل من الكلمات العذبة، التي أرجو أن تؤدي عمل الموسيقى.  كما تعرفون، السؤال الذي كثيرا ما يوجٌه لنا نحن الكتاب، السؤال هو: لماذا نكتب؟ أكتب لأن عندي احتياج داخلي للكتابة! أكتب لأنني لا أستطيع القيام بأي عمل آخر مما يفعله الناس. أكتب لأنني أريد قراءة كتب مثل التي أكتبها. أكتب لأنني غاضب منكم كلكم ، غاضب من الجميع. أكتب لأنني أحب الجلوس في غرفة طيلة اليوم أكتب. أكتب لأنني لا يمكنني المشاركة في الحياة الحقيقية سوى بتغييرها. أكتب لأنني أريد الآخرين، كلنا جميعا، العالم بأسره، أن يعرفوا أي نوع من الحياة نعيشها، ونواصل عيشها، في اسطنبول، في تركيا. أكتب لأنني أحب رائحة الورق، والقلم، والحبر. أكتب لأنني أؤمن بالأدب، بفن الرواية، أكثر من إيماني بأي شيء آخر. أكتب لأنها عادة، هوي. أكتب لأنني أخشى أن يطويني النسيان. أكتب لأنني أحب المجد والاهتمام الذين تجلبهما الكتابة. أكتب كي أكون وحدي. ربما أكتب كي أفهم لم أنا غاضب جدا جدا منكم كلكم، غاضب إلى أقصى حد منكم جميعا. أكتب لأنني أحب أن يقرأني الآخرون. أكتب لأنني بمجرد أن أبدأ رواية، أو مقالة، أو صفحة، أريد أن أنهيها. أكتب لأن الجميع ينتظرون مني أن أكتب. أكتب لأن لدي إيمان طفولي بخلود المكتبات ، وبالطريقة التي تستقر بها كتبي فوق الرفوف. أكتب لأنه من المثير تحويل كل جمال وثراء العالم إلى كلمات. أكتب، لا كي أحكي قصة، بل كي أنظم قصة. أكتب لأنني آمل أن أفر من شعور الشؤم بأنه ثمة مكان عليٌّ الذهاب إليه لكن ـ كما في حلم ـ لا يمكنني الوصول إليه. أكتب لأنني لم أكن سعيدا تماما أبدا. أكتب كي أكون سعيدا.

بعد أسبوع من تركه للحقيبة أتي لمكتبي، أتي أبي لمكتبي كي يزوروني زيارة أخري. كالعادة، أحضر معه قالبا من الشكولاته (نسي أن عمري كان 48 عاما). كالعادة، تحدثنا عن، وضحكنا علي، الحياة، السياسة، والنميمة العائلية. أتت لحظة نظر فيها أبي إلي الركن الذي ترك فيه حقيبته، ورأي أنني حركتها من مكانها. نظرنا لأحدنا الآخر في العين مباشرة. تبع ذلك صمت مقبض. لم أخبره أنني فتحت الحقيبة، وحاولت قراءة محتوياتها: حولت نظري عنه بدلا عن إخباره. لكنه فهم. بالضبط كما فهمت أنه فهم. بالضبط كما فهم أنني فهمت أنه فهم. غير أن كل هذا الفهم لم يذهب لمدي أبعد مما يمكن أن يذهبه في لحظات قصيرة. لأن أبي كان رجلا سعيدا، طيب المعشر، مؤمنا بنفسه. ابتسم لي كما يفعل دائما. وبينما يغادر البيت، كرر كل الأشياء الجميلة، المشجعة، التي يقولها لي باستمرار، كأب. وكالعادة، راقبته يغادر. مغبطا إياه سعادته، طبعه الخالي من الهموم، غير القابل للتعكر. لكنني أتذكر أنه في ذلك اليوم شعرت داخلي بومضة من المتعة جعلتني أخجل من نفسي. كانت نابعة من فكرة أنني ربما لم أكن مستريحا مع الحياة مثله، أنني ربما لم أعش حياة سعيدة أو خالية من الهموم مثله، لكنني كرستها للكتابة ـ لقد فهمتهم. خجلت من أن أفكر علي هذا النحو علي حساب أبي. من بين كل الناس، أبي، الذي لم يكن، أبدا ، مصدرا لآلامي. الذي تركني حرا. كل هذا يجب أن يذكرنا بأن الكتابة والأدب متصلان في النهاية بنقص في مراكز حيواتنا، ولشعورنا بالسعادة والذنب.

لكن في قصتي تناسق ذكرني فورا بشيء آخر في ذلك اليوم، والذي جلب عليٌّ شعورا أعمق بالذنب. قبل ثلاثة وعشرين سنة من ترك أبي حقيبته لي، وبعد أربع سنوات من قراري، في سن الثانية والعشرين، بأن أصبح روائيا ، هاجرا كل شيء آخر، عازلا نفسي في غرفة، كنت قد انتهيت من روايتي الأولي: (جودت بك وأولاده). بيدين مرتعشتين أعطيت أبي نسخة مكتوبة على الآلة الكاتبة من الرواية التي لم تكن قد نشرت بعد ، كي يقراها ويخبرني برأيه. لم يكن ذلك ببساطة لأنني كان لدي ثقة في ذائقته وفي فكره: كان رأيه هاما جدا بالنسبة لي لأنه، علي عكس والدتي، لم يعارض رغبتي في أن أصبح كاتبا. في ذلك الوقت، لم يكن أبي معنا، كان بعيدا. انتظرت عودته بنفاد صبر. حين رجع بعد أسبوعين، جريت نحو الباب كي أفتحه. لم يقل أبي شيئا، لكنه أخذني ـ علي الفور  ـ بين ذراعيه، علي نحو أخبرني أنها راقته كثيرا. لبرهة، سقطنا في ذلك الصمت غير المريح الذي كثيرا ما يصاحب لحظات المشاعر الغامرة. ثم، حين هدأنا وبدأنا نتكلم، استعان والدي بلغة مثقلة بالبلاغة، للتعبير عن ثقته فيٌّ، وفي روايتي الأولي: قال لي في ذلك اليوم أنني سأفوز بالجائزة التي أنا حاضر هنا الآن ـ بسعادة كبيرة ـ كي أتسلمها. قال ذلك ليس لأنه كان يحاول إثبات أن الرواية أعجبته، ولا كي يجعل من هذه الجائزة هدفا: قالها كأب تركي، يقدم دعما لأبنه، يشجعه، قائلا: "سوف تصبح باشا في يوم من الأيام!" لسنوات، كلما رآني، كان يشجعني بنفس الكلمات

توفي أبي في ديسمبر 2002.

اليوم ، بينما أقف هنا أمام الأكاديمية السويدية والأعضاء البارزين الذين منحوني هذه الجائزة العظيمة ـ هذا الشرف العظيم ـ وضيوفهم البارزين، أتمني، بحرارة، لو كان بيننا.

 

 

مقتطف من كلمة أورهان باموق في حفل تسلمه "جائزة نوبل للآداب" العام 2006

أورهان باموق، كاتب و روائي تركي فاز بجائزة نوبل للآداب، سنة 2006، ولد في إسطنبول في 7 يونيو سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة، كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن، ويقرأه الناس في أكثر من 100 دولة. من أهم أعماله روايات "ورد في دمشق" و "الحياة الجديدة" و"اسمي أحمر" و "ثلج".

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.