الكلمة
"واجب" آن ماري جاسر: الحقيقة المكروهة

ما زالت آن ماري جاسر تنبش في موضوعها الفلسطيني. صاحبة «ملح هذا البحر» (2008) و«لما شفتك» (2012). تختار هذه المرة

أن تغرف من حياة المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، كي تعكس لنا الصورة كما هي، من دون مكياج. هل هي ثلاثية؟ لا نعرف، سننتظر القادم.

 

أب وابنه، سيارة فولفو قديمة ومدينة، هي شخصيات الفيلم الذي تتناول فيه جاسر المجتمع الفلسطيني في مدينة الناصرة. يبدأ الفيلم المليء بالاستعارات بصوت الراديو. نشرة الموتى تصدح في السيارة القديمة التي تستعد بصحبة الأب (محمد بكري) والابن شادي (صالح بكري) لجولة تتضمن مجموعة من الزيارات إلى قائمة المدعوين إلى حفل زفاف شقيقة شادي. شادي هو الزائر من إيطاليا للمساعدة في زفاف شقيقته، بعدما كان والده أرسله للدراسة هناك حرصاً عليه من الجهات الأمنية الإسرائيلية، والمرتبط بعشيقة يعمل والدها في «منظمة التحرير الفلسطينية». الأب مدرس تركته زوجته لترحل إلى الولايات المتحدة مع شخص آخر، يطمح أن يصبح مديراً في مدرسته وإن بمساعدة روني، موظف «الشاباك» الذي ينحصر عمله بمراقبة المدارس وكتابة التقارير، والذي لا يظهر أبداً في الفيلم.

عمل جريء وناقد تدخلنا فيه جاسر إلى بيوت الناصرة. الاستعارة هي أداة الفيلم الرئيسة للهروب من المباشرة والكيتش من ناحية، وقول كل ما يلزم في 96 دقيقة فقط، مدة الفيلم. «الواجب» هنا هو فرض ومجاملة، بغض النظر عما إذا كان الوالد يرغب فعلاً في دعوة أحد إلى زفاف ابنته. يبدأ الفيلم بنشرة الموتى، هل هي إسقاط على مجتمع ميت؟ أم مجتمع تهمه أخبار الأموات أكثر من الأحياء؟ يقدم الأب التنازلات ويعيش «الواقع»، بينما الابن مرتبط بالقضية ويعيش في الخارج (جيلان مختلفان قد نظن أن الأول مهزوم والثاني يحاول الخروج من هذه الهزيمة). فوزي بلوط مغني العائلة، أنغامه و«اسطوانته» التي يكررها منذ 40 عاماً تُفرض على العروس الشابة ليغني في حفلها. «أبو عرب» صاحب مطبعة بطاقات الدعوة يخطئ في طباعة المعلومات، يتنصل من مسؤوليته ولا يعترف بخطأه. شبابيك وشرفات منازل الناصرة الجميلة مغطاة بشوادر البلاستيك القبيحة (هناك عورة يجب سترها دائماً). الجار الذي يرمي أكياس الزبالة على جاره في الطابق الأرضي... تتكثف الاستعارات والمشاهد لتفصح لنا عن حالة من الكذب الجماعي، الكذب كوسيلة للعيش، للظهور، للتعامل مع الاحتلال، الكذب في وعلى كل شيء.

منظومة، الكل يتواطأ وينسجم معها، ربما سعياً إلى العيش في محيط آمن بأقل الخسائر، أو ربما كنظام دفاعي وهمي ضد حقيقة الواقع، وضد الإذلال الكولونيالي الذي سحق الناس وغير طبائعهم. لكن الحقيقة تنفجر للحظة أحياناً، نشاهد ذلك في شجارات جانبية تظهر هنا وهناك كخلفية للفيلم. الحقيقة مكروهة، الكل يهرب منها، وهي مدانة دائماً لأنها ضد الكذبة الجماعية التي يعيشها المجتمع. حتى فلسطين نفسها تتحول إلى مجرد فانتازيا، نشعر بذلك في مكالمة هاتفية عابرة تدور بين والد شادي ووالد عشيقة ابنه الذي يعيش خارج فلسطين حين يتكلم الأخير عن بحر وجبال فلسطين الخضراء، بينما يقف الآخر مقابل أكياس القمامة المتراكمة. حتى شادي الذي نشاهده يُنَظّر وينتقد الناس والمدينة، ويحث والده على ترك التدخين على أساس أنه لا يدخن، نراه في المشهد الأخير من الفيلم يخرج قداحته من جيبه لإشعال السيجارة التي يقدمها له والده.

طارق حمدان

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.