..وأشرب بصحة الهواء
أيمن حسونة

ثقبٌ ملون يقترب من قلبي، كأنه أسود، أو هكذا لمحتُ طرفه.

لم تغيرني كل الحبوب التي وصفها الدكتور "جوجل" لي. أو  لأني – أنا – لم ارغب بأن تغيرني.

 

أصبتُ بداء الأحلام المتفككة. أصحو أحياناً لأكمل الحلم بمقطع جديد، أركبّه على ما سبق، كأنني لست هو في الأول، وجديدٌ لامع في الثاني. السيجارة الأخيرة قبل النوم، مُرّة، تدغدغُ حلقي حين أتقلّب من اليمين إلى اليسار، أتخيل أوراق النكوتين والقطران تشتعل وتأكل من حلقي، كل ليلة، كل ليلة جزء جديد.

هل يشيبُ القلب؟ حين يعجز الطب عن تفسير أي ظاهرة جديدة، تُدفن في الملفات الضخمة داخل خزانة مهملة في أحد المختبرات. تخيّلتُ قلباً وقد غزاه الشيب، عضلاتٌ رصاصية باهتة، لكنه ينبض بعنف، كعنف المتظاهرين في الليلة الأولى من الثورة. الرصاص يثقب أيضاً، والدم أحياناً يميل لونه إلى السواد إن نُسي، وأهملوه، تماماً ككل شيء.

...

فلنستعد إذاً، هذه هي الجولة الأخيرة من الحلم، قطّعته كي أستمتع به، هي شخصية واحدة بأشكال متعددة تتردد كل ليلة، هل للستارة منطقٌ ما في ترتيب أولويات الحلم؟ كنتُ مواظباً على عدّها قبل النوم، محاولة بائسة لطرد الأرق، ثماني عشرة ثَانية، المسافة بين كل واحدة وأخرى غير منتظمة، أحياناً، كنتُ أقوم بشدها من طرفٍ واحد كي يتغير الرقم، لكنني لازلت أراها، ولو لم تكن هناك.

ثقبٌ ملون يقترب، وأنا أنتظر.

...

فكرت كثيراً بتغيير عاداتي اليومية، شبهُ إيمانٍ داخلي بأن الإنسان يشبه الآلة، تغذيها بالروتين خلال النهار، لتجده أمامك ليلاً. بدأت بأسهلها، سيجارة الصباح أجلتها لما بعد الصحو بساعتين، أفتح نافذة صدري قليلاً على هواء بارد، حمامٌ قصير، صفحة أو صفحتين من كتاب ما قبل أن أغادر. وفي المساء، صرتُ أضع نقطتين أو ثلاث على كأس الويسكي – السنجل مالت – وأشرب بصحة الهواء.

ذات ليلة، ردَّ الهواء تحيتي، ركضتُ نحو سريري هارباً، تعثرتُ بالحَلقة الخامسة من الستارة، لازالت تغص في حلقي كبقايا السيجارة الأخيرة، توقفت عن روتيني واهماً أنني سأطرد هذه الكوابيس التي تتحقق يومياً، صرتُ أعدُّ كأسين كل ليلة، وأجلس أنتظره.

حمامٌ بارد يقيني من هذه الأحلام، هكذا قال لي صديق جديد. صدّقته وعملت بنصيحته. إختفت الكوابيس تماماً طيلة الأيام الأربعة التي تلت الحمام البارد لتأتي هلوسات الحرارة مكانها. غطاء أحمر بمربعات سوداء لفّني، أو ربما كان أسود بمربعات حمراء، لم تكن لدي القوة الكافية لتمييز أيها أكبر مساحة، تذكرت السؤال المتعلق بالحمار الوحشي، هل هو أبيض مخطط بالأسود أم أسود مخطط بالأبيض؟

أصل الألوان أسود. لربما سأذيب كل ما هو أسود في بيتي لأحصل على علبة ألوان جديدة. نحنُ عادةً ما نذهب نحو الأسود لكي نزيل عن أنفسنا عناء اختيار اللون، لا يوجد منه قاتمٌ أو باهت، هو لونٌ واحد، قاسٍ وجاف.

...

بدأت بترتيب أفكاري مجدداً، المكان، الزمان، الأحداث، كأنها مشروع رواية لن تكتب، اختصرت منها كل شيء لأركز بحثي على الحلقات الثمانية عشر والثقب الملون، رشفةٌ من كوب القهوة الأبيض.. لمحته، دققت النظر، عرفته. حدقة عيني ذاتها، تنعكس على سواد القهوة وتأخذ من بياض محيطها لوناً لتشكل ثقباً ينظرُ إليّ، وأنا أنظر فيه.

..

بعد تلك النظرة، غاب الثقب الملون، وغاب خوفي.

الخوف الذي خلقته أنا، فتملكني.

 

أيمن أ. حسونة

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.