وجه الذاكرة
ربى عوض الله

إلى يمينكم بئر مهدوم، وفي المنطقة الشمالية نطمح بحفر بئر لكن أهل المنطقة

ينتظرون تصريح الحفر والبناء، هذا البيت هدم ثلاث مرات، هذه المدرسة مهددة بالهدم في أي وقت، أترون الأشجار الجميلة تلك؟ هذه مستوطنة زراعية يعمل بها مزارعون فلسطينيون نُهبت أرضهم وما من مفر للرزقة سوى تحت وطأة الاحتلال، تعالوا تحدثوا مع هذا الحاج لنعرف أكثر عن مشكلة المياه وسيطرة الاحتلال الكاملة عليها كالسيطرة الكاملة على باقي نواحي حياتنا...

 

تمر بالدمار وتشير بالإصبع متمتما بضع كلمات للتأكيد على مشهد ينطق لوحده، نراه كل يوم في أوجه مختلفة، والمصيبة أننا اعتدنا رؤياه، تهتز للمرة الأولى حين ترى وجهاً مختلفاً عن ما اعتدت عليه، وبعدها يصبح مشهداً عادياً، وترجع بسلاسة إلى مهنتك اليومية: دليل سياحي على الدمار... أو ربما حكواتي يسرد السير الذاتية لأهالي المنطقة، حكايات نتمنى لو أنها من نسج الخيال!

وفي لحظة ما -لحظة ككل اللحظات تكون فيها ببلادتك المعتادة، تنظر للدمار بأعين متفتحة دون أن تدمع، تتكلم عن الألم وأنت صادق بكلامك لكن لشدة الوجع خدرت تماماً وما عدت تشعر – ترى وجهاً آخراً من الدمار، وجهاً تعرف بوجوده وتتفاجأ بحقيقته، وجهاً يختزل الحاجز والطريق الالتفافية والبئر المصادر والأشجار المقلوعة وذل التصاريح وروح الشهيد وحرقة أهل الأسير... وجهاً بكل الوجوه... وجه طفل محروق، نصفه الأيسر مزين ببسمة من القلب!

جاء مع فوج من الأطفال، يركضون للقاء المتضامنين.. يتدافعون للوصول أول.. كلهم في  سنينهم العشر الأولى أو ما يحيطها من سنين، ملابسهم بسيطة لونها مائل للترابي من كثرة الأوساخ الملتصقة بها، شعرهم بعيدٌ عن الترتيب واللمعان، ضحكاتهم بعيدة عن التكلف. وصلوا... كلهم ملائكة وبينهم ملاكٌ بشكل غريب، نصفه الأيسر مجعدٌ تماماً من ذقنه وحتى صباحه تجاعيد حمراء، عند العين اليسرى فقاعات تُسيّج العين من كل الجهات حتى تكاد تخفي وجودها، الأنف نصفه سليم؛ الأيمن ناعم وصافٍ والأيسر مجعد محمر وقاسٍ، تفاصيل وجهه المتناقضة بين الطفولة والدمار تبعث التساؤلات للناظر، ما الجريمة التي ارتكبها حتى يستحق هذا العقاب؟

جريمته من أكبر الجرائم، ففي أحد أيام شهر رمضان صيف عام 2013 عند آذان المغرب تحديداً، أخذ صحن الإفطار من خيمة عائلته – المهددة بالهدم – إلى خيمة جدته – المهددة أيضا بالهدم. وفي طريق العودة، وهو مسرع للوصول إلى البيت (الخيمة) ليشرب الماء ويأكل بعضاً من الطعام بعد صيام طويل تحت أشعة الشمس الحارقة في الأغوار الفلسطينية، داهمته قنبلة على الأرض فحملها ليلعب بها إلى أن يصل الخيمة، وهو المعتاد على اللعب بالقنابل، فكل بضعة أسابيع يأتي جيش الاحتلال للتدريب في المنطقة المحيطة بسكنه والمسمية بمنطقة عسكرية مغلقة... وبعد انتهاء التدريب وابتعاد جيش الاحتلال يجمع الأطفال  مخلفات الرصاص والقنابل المستهلكة؛ ويحولونها لألعاب متنوعة ما دام أنهم لا يقدرون على شراء ألعاب الأطفال المتداولة.

ذلك اليوم بالذات، وفي يده هو بالذات، ومع عطش الحر وجوع الصيام وبراءة الطفولة... انفجرت القنبلة في وجهه! انفجرت في وجه لم يتجاوز عمر البراءة ولم يفهم بعد تعقيدات الحياة، انفجرت في كل آماله بالعيش كالبقية، بالعيش ببلادة، بالتنكر بالسعادة، بالتأقلم مع الحصار الدائم بكل أنواعه وأشكاله... النفسي والجوي والفعلي وحصار الموارد... انفجرت في وجهه ولم يهتز العالم من ضجيج الانفجار ومأساة الحادثة... لم نهتز نحن، ونحن إخوته بالحصار... انفجرت في وجهه ولم تقدر أن تمحي الابتسامة!

حين نعود لبلادتنا المعتادة ونضع المشاعر والألم والقهر جانباً، علينا أن نتذكر أن ذاك الولد البريء ذو الابتسامة الملائكية لن ينسى، فكل صباح حين يرى وجهه في المرآة سيرى القنبلة والخيمة المهددة بالمصادرة، والبئر المهدوم، والجدار العنصري، والحاجز والطريق الالتفافية والأشجار المقلوعة وذل التصاريح، وروح الشهيد، وحرقة أهل الأسير... سيتذكر ما يجب أن لا يُنسى!

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.