بأقل علامات المبالاة
فخري الصرداوي

أتحدث عن «أنا» بصيغة «هو» لأن كل يوم ينزلق من عداد حياتي أسبح خارجاً عن جسدي

.

 

ألاحظه من الخلف: أرى عنقه وكتفيه وظهره وقفاه ولا أرى وجهه،

حتى العالم الذي يعيش فيه أراقبه عن بعد سماء ثانية أو ثالثة.

رمادي اللون؛ بالنسبة إليه لا حزب لي ولا تحيز ولا حول ولا قوة، ليس بحوزتي القدرة على تغيير ما يحدث في عالمه.

لم يكن له اسم في بداية الأمر ولكن؛ كحيوان أليف مشرّد يمكث على باب منزلي ناطراً بقايا الطعام؛ أردت أن أطلق على من ألحظه اسماً فسميته «نفسي».

 

«نفسي» على وزن شكري وبرعي وفخري- يعيش في عالم لم يختره، ولم يرد أن يولد فيه.

عالم جديد صنعته العلامات التجارية والسلع والخدمات الراقية ذات الخمس والسبع نجوم والتي تشبه تلك التي على أكتاف أسياد الحروب.

عالم أغلبية سكانه زبائنه المسيّرون والقلة القليلة صانعوه وأصحابه الجدد.

عالم كبيتٍ من أفيون؛ كل شيء فيه قابل للاستمتاع، كل شيء فيه يجعل «نفسي» ينساني وينسى كم أريد، وكم هو يريد أن أعود إلى جسدي.

عالم من شاشات أو «عوران دجالين».

مجرد ساحة «تايمز سكوير» ضخمة بحجم سبع قيعان، محيطات يعرض فيها وعليها إعلانات آخر البضائع  وأبهاها ألواناً وأجذبها نشوة.. ولكنها مجرد سلع ثانوية أمام السلعة الحقيقية وهي عقل «نفسي» وعقول الملايين من «غيري».

 

قد تأتي لحظة أستطيع فيها أن أوقظ «نفسي» و«غيري» من حلمهما اللامتناهي، ولكن سرعان ما يذهبان إلى نومهما، كشاعرين أندلسيين يسبحان في بحيرة من الخمر والجواري.

ولكن قد أنجح في استفزاز «نفسي» لبرهة تزيد عن اللحظة:

ليرى العالم الجديد على حقيقته.

ليرى «نفسي» كم هو فقير وجاهل وجائع.

ليرى أن الريف الفرنسي الأخضر الذي خُيّل له هو مجرد ربع خال قاحل صحراوي محشور فيه مع الملايين من «غيري». ليرى أن الأرباع الثلاثة الأخرى أسيرة في قبضة أصحاب العالم الجديد.

ليرى أن القصص البراقة عن الحب والعدل والشجاعة والغزوات والشرف؛ والتي كانت تحكى له قبل وأثناء وبعد نومه الأبدي، مجرد سراب ضبابي يكسو رمال ذلك الربع الخالي.

ولكن إذا أيقظت «نفسي» بما يزيد عما تسمح به «المعايير الدولية» سأرى صفارات الإنذار تبدأ بالنعيق، وسأراه يعتقل ويحتجز ويعاقب بعقوبة الـ «Stereotype»، ويصنف صديقنا بإحدى الألقاب الموجودة في كتالوج التنابز:

فيهرطقه المتدينون.

ويعتبره التقدميون رجعياً.

ويخوّنه الوطنيون.

 

نظام العقوبات الذي وُضع على «نفسي» لم يكن حديثاً.. بل هو نظام يُوقَع من قبل «نفسي» و«غيري» كتوقيعهما على شهادة ميلادهما.

بل هنالك أوراق عديدة يُوقعُها «نفسي» قبل أن يخرج من بطن أمه ليعترف العالم الجديد له الحياة.

عليه أن يوقع على تعهد بأن لا يفكر وأن لا يتفكر وأن لا يستقل بتفكيره.. بل عليه أن يُوقّعَ على تشرذمه لأحد الأعراق والأحزاب والطوائف والأديان.. وأن يتحيز كونه «وطني» قاتل أو «إنساني» خائن.

وعليه أن يتعهد بأن لا يعمل وأن لا يتقن عمله إذا عمله، بل عليه أن يستيقظ ويأكل ويشرب وينكح وينام كبهيمة تنتظر ذبحها بأقل علامات المبالاة.

مع ذلك، كل تلك الأوراق والعقود ليست ظالمة وقاسية ومجحفة بحق «نفسي»، بل إن بعضها إيجابي جميل وبراق،  فعلى سبيل المثال: لدى «نفسي» الشرف بتوقيع «وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، فيا لها من وثيقة شديدة الإنسانية! مع أنها في حال أعطيت لطفل صومالي يكاد يختفي من الجوع فلن تفيده بنودها وموادها؛ إلا إذا كانت مصنوعة من البسكويت!

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.