ظل مريم في البلاد
فداء أبو مريم

تنساق الشعوب التي أثقل الظلم كاهلها نحو صناعة الحكايات الأسطورية فتبدو تلك الحكايات عزاء النفس البشرية

في مواجهة الظلم وشحذ النفس بالطاقة الإيجابية. وخير ما يأتي في سياقه؛ استثنائية التجربة الفلسطينية التي صنعت لنفسها عدداً من الشخصيات الأسطورية والخيالية، لتعزية النفس بالحق بالوجود الإنساني الذي يتشكل عبر إرثه في البلاد. وإذا ما شاحت أقلام التاريخ وألسنة الرواة فستكون "مريم" سيدة فلسطينية أم لنبي فلسطيني عربي، وقد تكون أولى الفلسطينيات اللواتي واجهن وصنعن لأنفسهن هوية صار منها ظلاً كثيراً في البلاد، فهي التي اختلط ماء مخاضها بالتراب وسيرته مياه هذه الأرض فنبت لظلها صوراً كثيرة تجدهن في جنبات بيوت المخيم، وصدر البيت وعتبته يكابدن وجع الفقد ومرارة الغياب وحسرة الاعتقال ومع ذاك يجدن لأنفسهن متسعاً لسرقة لحظة حياة لتمضي كل منهن تصبغ في البلاد صوراً أخرى ممتدة.

 

ظل مريم في المخيم

استطاع الجمع الفلسطيني أن يتفق على صور ثابتة للمخيم وهو عزاء آخر للانهزام وقلة الشعور بلذة النصر، إذ أن ألواح الزينكو، والبيوت الملتصقة التي دفنها الشعر بصورة مرتبة عن الدفء. والأزقة الضيقة التي انحسرت فيها الأحلام وقتلت فيها الرغبات هي محرك المواجهة الدائم لفرص الحياة في قتل الإنسان بالمخيم، هكذا تكور الوهم في الأذهان عدا ظل مريم الشاهد على أن المخيم لعنة في رأس كل من سارت في أزقته تبحث عن مكان تدس فيه خصوصيتها. إنه خليط غير موزون من المنطق واللا منطق، الدهشة والوهم قتل الشهوة وفرار القدرة، هكذا يسير القدر بمريم التي لجأت للنخلة، وذات القدر يُسّير ظلها في المخيم لاجئة على ملامحها وأحلامها ومسيراً ثابتة للحياة بشكل منتظم أو عشوائي مغلف بالانتظام، الأنثى الطفلة ستكبر مع الوقت ستكون عروساً وأماً ستكدس أحلامها في خزانة البيت وستنجب صوراً ثابتة لظلها ينتشر في البلاد سينجو منه كل اللاتي تسلقن الجدار واستطعن الهرب دون النظر إلى الخلف، حتى وإن كان البعض منهن يكتبن عن جماله ويروين عن الذكريات فيه، إلا أن ذلك مؤقتاً ومؤقتاً جداً سيذوب مع الوقت في تفاصيل الحياة، فالمخيم ليس هوية مريم وظلها الأول.

 

هاجس الحاجز

في إحدى المرات التي أحاول وصف حال البلاد بعد سؤال من صديقة، قلت إن هذه البلاد تشبه إلى حد ما علبة العصير التي تحتوي على حبيبات الفواكه، فإذا ما انتهيت من شرب العصير تبقى الحبيبات تتأرجح بين قاع العلبة وأولها، فإذا ما حاولت أن تلتقطها فإن مخرجها أضيق من القطعة، فتضرب العلبة نافراً وتضرب الحبيبات ناجيةً من افتراس فمك، فترسو في القاع بعد ضربة شديدة تسقط من أعلى العلبة إلى أسفلها. ذاك ما يحدث مع ظل مريم التي تسير في البلاد كي تمارس حقها بالخروج، أو في روايات الواقع حق السفر والتنقل. فالبلاد لفظت حواجز المرور للكوكب، ليس خارجها بل على أطرافها، فإذا ما سارت الحبيبات نحو أحد أطراف الخروج رُفض طلبها وسقطت إلى الطرف الآخر بضربة في الرأس. ويبقى ظل مريم عالقاً بين طرفي البلاد مرة نحو الشمال، وتارة أخرى نحو الجنوب ولا فرص للهروب شرقاً أو غرباً، في الأصل لأن إطار العلبة مرهون باتجاهين أعلى وأسفل، وإطار البلاد مرهون باتجاهين شمالاً أو جنوباً. فالفرار منه هاجس آخر لظل مريم الذي لن يجد مكاناً شرقياً ينتبذ إليه ليرصف لنفسه طريقاً آخرى في بلاد أخرى بعد أن تضيق به البلاد.

 

لعنة الموت

في إحدى الهجمات التي شنتها "إسرائيل" على المدينة اتَّخذت من جملة "دمعة في كل بيت" شعاراً آخراً لهدفها الاستراتيجي من هذه الهجمة فهو الصيغة المقابلة لقول شاعر عربي "ومن لم يمت بالسيف مات بغيره"  فمن لم يُقتل خلال هذه الحرب الطاحنة سيقتل لاحقاً، لأن الأسلحة المحرمة دوليّاً استخدمت بحق أصغر بقعة مواجهة مع "إسرائيل" في البلاد فخلف من بعدها أعداداً مكدسة من الجثث المؤقتة التي تواجه مرض الموت "السرطان"، ففي هذه البقعة أكثر من 13000 مصاب بهذا المرض لأسباب تعود في أصلها إلى حجم التلوث الذي قضم الهواء في البلاد، وأسباب أخرى تتعلق بواقع الضغط النفسي والحياة ضيقة الأفق جداً بعد أن أغلقت كل منافذ الحياة  فصارت تمثل مريض الربو حين تسوء حالة الطقس، فكل منافذ التنفس لديه مشوشة وغير صالحة للتنفس. فصار لظل مريم رقم وسرير في المستشفى، ولظل آخر رقم وكرسي مرافق في ذات المستشفى، وكلاهما ينتظر أمر بالتحويل كي ينال فرصة الشفاء من مرض الموت. أحدهما يعود خائباً بلا رفيق بعد أن التهمه الموت، وظلٌ آخر ينتظر فيبدو الأمر وكأنك تدوس على ورق الخريف الناشف على الطريق فتتألم من الصوت ومن ثقل قدميك فوق هشاشة وضعف الورق، بينما ظل مريم شجرة ضخمة في شارع قديم ثابتة راسخة غير مكترثة بصخب المدينة وإشفاقها على هزال أغصانها. وظل آخر يتحسس جسده إذا ما سار الموت حديث المدينة الدائم.

إنها ليست كذبة بالقدر الكافي لإقناع الآخر بصدق الرواية، إنها جزء من قصة قد يغدو من الصعب على الإنسان ترتيب الوجود الأسطوري لفكرة الحياة في مواجهة كل هذا وأكثر.

 

 

 

 

غزة

التصويت

أضف تعليق

شروط التعليق

"فلسطين الشباب" تنظر لتعليقاتكم وآرائكم بكل أهمية، وتعتبرها إغناء لموقعنا، ولذلك نتمنى التقيد بشروط التعليق:

- أن يكون التعليق ذا علاقة مباشرة بمضمون المادة الكتابية أو البصرية.
- أن يطرح التعليق رأياً من شأنه أن يفتح باباً للنقاش.
- التقيد بالآداب العامة بأن لا يحتوي التعليق تجريحاً أو شتائم أو قدحاً وذماً.
- أن لا يتضمن التعليق أية إشارات عنصرية أو طائفية أو حزبية.
- أن لا يتعدى عدد الكلمات 200 كلمة كحد أقصى.
- أن لا يحتوي التعليق على أية مادة ترويجية أو دعائية.