الكونُ يرقصُ حولها

  • أسعد الصفطاوي

(1)
يستيقظُ الضوءُ الخافتُ على صيحةٍ من بابِ المدينةِ تنبّئُ بقدومِ الغيمةٍ الأولى.

تُطلُ الستارةُ السكّريّة بهدوءٍ خارجَ النافذةِ بعدَ أن طبطبَ عليها الريحُ الخفيفُ فتسمعُ هدوءها أختها، فتزيحُ الزجاجَ عن وجهِ الريحِ وتضعُ يديهِ على وجهها، فتهيمُ خارجَ النافذة، وتصحو على وقعِ الأوركسترا اللذيذة التي يشكّلها الرقصُ الهادئُ للستارتينِ جارتهما، وجارةُ جارتهما، وهكذا، حتى تكونُ ستائرُ المدينةِ الصغيرة باحةُ رقصٍ لها.

(2)
تأتي الغيمةُ بفستانٍ يجرُ خلفَهُ بردٌ خفيٌّ، وتمر عن المدينةِ بخلسةِ بائعِ الجرائدِ في الصباحِ، فتحنو عليها، وتزيدُ ستائرها رقصاً، وإيقاعات المطرِ الطريّ على أرضها، والصفير الذي يُحدثهُ الريحُ المُتسلّلُ من أزقّة الأبوابِ يصيرُ صوتَ نايٍ، والجرسُ المُعلّق على سطحِ الكنيسةِ يُحدثُ إيقاعَ الليلِ والمطرِ عليه، فتقفُ المدينةٌ ضامةً قدميها في حُضنها، وتُحاولُ إمساكَ ما يتطايرُ في فستانها الذي غبّرهُ طولُ الانتظار، وتستلذُ خجلةً من أثرِ الكونِ الذي يمارسُ معها البردَ الآن..

(3)
الكونُ يرقصُ حولها، ويدور.. يدور يدور، وهيَ تنسى خجلها من تلقاءِ فرحتها بهِ، وفجأةً يسحبُها لهُ ويضُم نصفَ جسدِها الأيسرْ إلى حضنِه، ويبدأ معها بالرقصِ، فترقصُ معهُ، والستائرُ تظلّل أحلامَ النائمينَ، والبردُ يزيدُهم نوماً في دفئهم، والمدينةُ ترقصُ وترقص وترقص... والحياةُ تُحدّثُ بناتها عن كيفَ أن هذه المدينةُ لا تستطيعُ مغادرةِ الكونِ عندما يأتيها على شكلِ غيمةٍ.. والمدينةُ تتسعُ باحة رقصها، وتزيدُ مفاصلُ جسدها تحرّكاً، وتمسُكُ بيدِ الكونِ، والكونِ ذَهِلٌ من جرّاء رقصها.

(4)
وبينما كلُ أشياءِ الحياةِ تُسْكرُ بناتها، تُفلتُ المدينةُ يدها من يدِ الكونِ، وتبدأُ بالطيرانْ.. تطيرُ المدينةُ وتأخذُ معها أحلامَ نائميها في ليلتهم الأولى؛ لتقدّمها قرباناً لحبيبها الغائبِ عنها، فيغضبُ الكونُ ويرسلُ برقهُ، فتزيدُ صوتَ البرقِ لأصواتِها وتعلو وتعلو؛ فيغضبُ السيدُ الكون.. ويصيحُ بالغيمِ، أن اصرخووووا... والمدينةُ لا تكترثُ لهُ، وتجري باكيةً من فرطِ فرحها بحبيبها الذي تنتظرهُ.
وصلت المدينةُ لسماءِ حبيبِها.. ففتحتْ بها أفقاً وأمطرتْ على حبيبها أحلام نائميها، فاستغرقَ فيها.. واستغرقتْ فيهِ، بعدَ أن حدّثها عن بؤس المشتاقينَ حينَ تغيبُ حبيباتهم، وعن شقاءِ البحثِ وحزنِ السماء.

(5)
وحينَ الكلُ مستغرقٌ في أحلامه:
الرجلُ المريضُ
السيدةُ الجائعةُ لجسدِ رجلها
الولدُ الشقيّ الذي يحبُّ أجملَ فتياتِ المدينة
الخشبُ في المدفأة
الوسائدُ التي تدنو رؤوسَ النائمين
المدينةُ
وحبيبها
والمطرُ
والغيمُ
والذاكرة
والأزقّةُ
وما فوقَ الظلِ
وما خلفَ الضوءِ

استيقظت فتاةٌ، بعدَ أن شعرتْ لأولِّ مرةٍ ببللٍ في أسفلِ قميصِ نومها، وخفقةٍ في القلبِ، ودفءٍ لذيذٍ في الوجنتين!