أرواحنا نُسخٌ كربونيّة

  • رأفت أبو الهيجا

في ليلة حارّة من ليالي تمّوز وبعد أن خلع قميصه بصعوبة كمن يخلع لحاء شجرة رطبة، أمسك قلمه، رجفَ قلبُه وكتب:

وحدها المواقف التي تحيكها لنا الحياة كفيلة بصقلِ شُخوصنا وتشكيلها بما يتماشى مع ما حاكته لنا ضاربة بما عدا ذلك عُرض الحائط، الوضع هُنا الآن متشابكٌ حيث يُصنّف الشعور دون المستوى، ويُهمّش ما نريده وترانا نحاول حشر أنفسنا في قالب غير مُناسب مُدركين بأنّه لا خيار لنا ولا سلطة ولا رأي!

تلك المشاعر التي تعصِف بنا بلا رحمة، تُدمينا وتبتر اخضرار الحياة فينا وتُخفي أرواحنا الحقيقيّة في مكان سحيق مُظلم لا يصل له أحد في دواخلنا، ونتاج ذلك نُصبح أشخاصًا آخرين، أشخاصًا مُنسلخين عنا كنُسخ كربونية رماديّة، فلسانُ حالك يقول: "هذا ليس أنا!" ولكنّك في داخلك تُقاوم بكلّ ما تملك من قوّة فتنهار وتعود لمكانك وحيدًا مُتأثرًا، ثم تُحاول مع بسمةٍ فتنهار، مع ضحكةٍ فتنهار، مع لحظة حُبّ فتنهار، مع دعوة أمل فتنهار، تعود أدراجك زاحفًا وتدعو الله أن يمنحك القوّة الخفيّة الكامنة، لتحيا من جديد وترى بعين مُلوّنة!

عارضة أزياء رقيقة، كُنت قد التقيتُها مرارًا مُتفجّرة بما تعنيه الكلمة، انطفأت فجأة! ما عادت ثيابها المُبهرة الكثيرة مُزهرة، وأضحت حاملات الملابس خاصّتها كشواهد  قبور تخطف كلّ ضوء في قبوٍ موحش، أنتِ التي كُنت تملأين المكان بهجة بحضورك الفتيّ وابتسامتك المشرقة، أنتِ التي كانت عصافير الصّباح تتغنّى بعفويّتك، عفويّة طفلة ملأ قلبها الحُب والفرح.

ربّما تعبت ساقيك النّحيلتين من حمل جسدك المُثقل، ربّما هي وعكة صغيرة تُصيب الجميع وتمضي بحالها، ربّما هي كدمة صغيرة في الرّوح نتيجة انزعاج بسيط من تغيّر الطقس أو افساد أحمر الشّفاه، لكنّك بِتّ تُدركين الآن بأن الثقل الوحيد الذي صنع منك عرجاء كئيبة كان في قلبك!

نحنُ نُبصر خيباتنا ونُربّيها، نُنمّيها كأطفالنا ونبذل عليها من شغف القلب ما نملُك، عقولنا التي تقوقعت بصدمة هذه الخيبات أضحت رهينة لا تملّ من رتابة الأيام، ولا تقوى بنفس الوقت على الخروج منها مهما حاولت.

يبقى لنا الأمل، الأمل وحده المُتعلّق بالغرباء! ربّما لأن الوحيد الأقرب الينا بات سجّانًا لا يرحم. الأمل الذي يُطلّ علينا من زاوية عمياء، يُطلّ ويتوارى مُكرّرًا ذلك في صباحٍ عابرٍ أو في مساءٍ رقيق، في حديث ببضع كلمات صادقة، وفي أغنيّة ترتسم فيها ملامحٌ تترنّح بين المعروف والمجهول، في صوتٍ دافئٍ ينساب بنغومة غير معهودة، وربّما في ذكرى برئية عصيّة على النسيان. هذه التفاصيل الصغيرة التي تُنبّه عصب القلب في كلّ مرّة وتلقي بعود كبريت مشتعل في السرداب دامس الظلام وحدها التي تخفف عنا وتدعونا لنتشافى بمغاطس الطّمأنينة ضاغطةً فوق جروحنا، لنظنّ أنفسنا بأنّنا كهذا النّص قد خلقنا من جديد!