في رأسها كراكيب..

  • نجلاء كايد

كومة الأفكار والمشاعر هذه التي تتماوج في داخلي وتكبر كحصاد جاء قبل موعده تشعرني أني هـَرمت، سنواتي التسعة عشر لم تعد تكفي لأُبرر للناس صمتي رغم ثرثرتي

، حزني والابتسامة، اعتكافي أو اندفاعي المميت نحو الحياة..

 

في رأسي تنبت الأشياء دون أن يزرعها احد، تماما كالعشب السائب، تتوغل ببريّة متقنة وتنبت هي بدورها أعشاباً وأشواكاً أخرى، في رأسي شموسٌ صغيرة وقناديل: تحرقني حينا وتضيء لي أحيانا،  فيه اختلطت ذاكرتي بذاكرات الآخرين وذكرياتهم، فلم أعد أدري أيهم عشته وأيهم استعرته من شارد أو عابر سبيل يحمل إقامةً دائمةً في الرأس، فيه آلامي وآمالي وحكايات الآخرين من الأصدقاء الذين أنام وأصحو معهم، ينبضُ قلقهم في دمي وأتنفس دقائق يومهم وإيماءاتِ جيرانهم مما يجعلهم عصيين عن الطرد، أصبح أنا المنفية واللاجئة،  ابنة نابلس وحيفا في ذات الوقت، قـُصف بيتي في غزة ورجعت سبع مرات عن المعبر الكريه، كبرتُ في المخيم وفي بيت أجدادي في قريتي الأم، كنت مرة عربية بدم فلسطيني وجنسية تاهت عن الجواز، ومرة أخرى راقصة باليه في رام الله أو متصوفة على الكرمل؛ وكم غنيت في السجن _ أنا التي لم تعتقل مرة – ليال طوال؛ رسمت، كتبت، جـُبت العالم وقبـِعتُ في حصاري طوال عمري .. حتى أنني مرة استشهدت .

في رأسي بنيت عوالم كثيرة، الّفت أكواما من الكتب، لبست الكاكي الموحل وامتشقت البندقية، وبنيت للفقراء بيوتا تشبههم : رحيبة الصدر، غنية وكبيرة.

في رأسي هذا أفكار ومشاعر تتماوج وتشعرني أني هرمت، وان السنين التسعة عشر لم تعد تكفيني لأبرر للناس تناقضاتي، ودهشتي - مثلهم- للأفكار الغريبة التي تعبر رأسي وانطق بها دون أذن مني، يستخف بي البعض و يستهزأ وقد يصل الأمر إلى اعتباري نكرة هوجاء تتشبث بالوجود، ويقدسني آخرون ويرفعونني - دون إذن من السماء- نبية !

وحدي أنا – برأسي المثقل- أعلم أن الأمر كله مجرد طفلة مجنونة في رأسها كراكيب بالية، وفوضى عارمة من الوجوه والمشاعر تـُركبّها كيفما شاءت وتعيشها حتى النهاية .. ثم تتساءل ببراءة لماذا تشعر دوما بالصداع؟!

 

 

 

أرشيف فلسطين الشباب