مهرجان من نباح الكلاب

  • سركون بولص

هذا السيد الأمريكي

الموت

هذا سيّدٌ

من أمريكا

جاء ليشربَ

من دجلةَ

ومن الفراتَ.

 

الموت

هذا سيدٌ عطشان

سيشربُ كلَّ ما في آبارنا

من نفط، وكلَّ ما

في أنهارنا

من ماء.

 

الموت

هذا سيَّدٌ جائع

يأكلُ أطفالنا بالآلاف

آلافاً بعد آلافٍ

بعد آلاف.

 

هذا سيّدٌ

جاء من أمريكا

ليشرب الدم

من دجلةَ

ومن الفرات.

 

لم يبق من بياض

 

طردتِ الأرضُ النادلَ الكبيرَ

لتدخل شيخوختها بأمان.

فلتكن هناك..

أقصد جالساً بين الجبال.

فآخر نهرِ،

سيمرُ بكَ محمولاً على عربة ٍ

تعمل بطاقة الأنين.

كن هناك..

أقصد ُ ظلاً يتفشى على سبورةٍ

يقيمُ عليها خطُ الاستواء.

أو تعال.

ترى المناجمَ فارغةً.

الطيورَ بوالينَ بغاز العزلة.

الكتبَ مُجمدّات لهوائيات الدماغ

فيما ستكون الأمشاط ألسنةً

للذكريات.

القطار الأخير،

بعد ساعة ودون سكة هذه المرة.

النبعُ،

زجاجةٌ فارغةٌ دون إقامة

بعد اليوم.

يا للهوّل..

أن يصبح الوداعُ متقاعداً.

أن تدخل التفاحة المشرحة َ.

أن يصبح الليل فروّة محترقة.

 

مرثية إلى سينما السندباد

هناكَ طريقٌ

ترصّعها سقوفٌ قرميدُها

غسلته الذاكرة

حتى ابيضّ تحت سماء بلغت

أوجَ حُرقتها

حيث كلماتي

تُريدُ أن تعلو مثل أدراجٍ

مثل أصوات ترتقي

السُلَّم الضائع

في دفتر الموسيقيّ الذي ماتَ

في السجن، نوطة بعد أجرى.

أعثر على ذاك المبنى

وأفتح باباً

على المهْوى:

كل آثار حياتي

الغابرة، يسمّي ذاتَه

بأسمائه، هناك.

ساقيةُ المواضي

مازالت تجري في الحُفر

لكن أمواجَها

أبطأُ من نبض السلحفاة.

زماننا وكيف ضيَّع تذكراته!

قالوا لي…

إنهم هدموا سينما السندباد!

يا للخسارة.

ومن سيُبحر بعد الآن؟

من سيلتقي بشيخ البحر؟

هدموا تلك الأماسي؟

حجرًا على حجر؟

قمصاننا البيضاء، صيف بغداد

حبيباتنا الخفراوات حتى

التجلي…

سبارتاكوس، شمشون ودليلة

فريد شوقي، تحية كاريوكا،

ليلى مراد؟

وهل يمكننا أن نُحبّ الآن؟

كيف سنحلمُ بعد اليوم

بالسفر؟

إلى أي جزيرة؟

هدموا سينما السندباد؟

ثقيلٌ بالماء شعرُ الغريق

الذي عاد إلى الحفلة

بعد أن أطفأوا المصابيح

وكوموا الكراسي

على الشاطئ المقفر

وقيّدوا بالسلاسل أمواجَ دجلة.

 

محلولة، سلفا، كل الأحاجي

 

كل الطرقات مفتوحة

أمامي، كل الأحاجي محلولة

سلفا؛ طرقة على الباب، وينفتح…

الليل، للنهار، زوجة.

ومع ذلك

ففي نهر الدم أخوض، ولن ألقى البوابة

أو أدخل ليلا إلى المدينة

في مهرجان من نباح الكلاب.

وما هي إلا نبضة

سرية من دم القصيدة

تسمح لي بالدخول.

وها هي المسألة:

أي علقم أشرب، أي إيقاع أتبع حتى

أتحاشى الجنون…

سوى هذه الكلبة

التي تغطي بعوائها الأفق

سوى هذه الذئبة المجنونة

سائحة في خيالاتي

قائلة للعالم أنها تعرف أسراري

مهما نزفتُ، أو تلفظتُ بهذا الزبد

مهما، ومهما…

 

في بغداد

 

ضريحُ الوليّ تنقصه ُ بضعُ آجرّات

من بلاطٍ أزرق وأحمر ، جدارهُ الدائريّ تغطـّيه

حتـّى قـُبـّته آلافُ الخِرَق من ثياب ِ مَن جئن َ هنا

جيلاً بعد َ جيل ٍ من العواقر

يلتمسن َ البرَكات !

حبّاتُ الكهرمان في سُبـّـحة المُقرئ الأعمى

عُقَـدٌ مدمّـاة ٌ لِكَـم قلب ٍ

كان َ يخفقُ في أزمور ذات َ زمن !

والعرّافة ُ الأريبة، طارفة ً بعينها الخضراء

لتطردَ سرّا ً غيرَ مرغوب ٍ رفرفَ من يدي المفتوحة

هاربا ً مثلَ غُراب ٍ الى البعيد، تهزّ الثمرة

في أعلى أغصان الزمن ، حجرا ً

له ُ سيماءُ الذهب...

إنـّها لا تُخبرني

عمّـا إذا كانت تعرفُ كلّ هذا

أم لا، فنحنُ لا نتكلـّم ُ، لا نقول ُ شيئا ً

أو نـُفصحُ عمّـا لا يُقا لُ في حضرة الأبد .

 

تحولات الرجل العادي

 

أنا في النهار رجل عادي

يؤدي واجباته العادية دون أن يشتكي

كأي خروف في القطيع لكنني في الليل

نسر يعتلي الهضبة

وفريستي ترتاح تحت مخالبي

*

حمامة مسافرة.. إليك

لك كل الدفء،

'هذه الساعة التي ستدنينا

أو تفرقنا، أو تذكرنا بأن ليلتنا هذه

قد تكون الأخيرة، وتعرف أنها خسارة أخرى

سيعتاد عليها القلب مع الوقت'

فالوقت ذلك المبضع

في يد جراح مخبول سيعلمنا ألا ننخدع

بوهم الثبات:

'أقل مما يكفي، أكثر مما نحتاج'.

أقل مما يكفي هذا الأرث الفائض من مكمنه

في صيحة الحب الأولى

أولى في كل مرة.

أكثر مما نحتاج طعم الرغبة هذا

كما لم نذقه من قبل

لم نذقه من قبل.

 

سركون بولص(1944 - 2007) شاعر عراقي ولد عام1944 في بلدة الحبانية غرب بغداد. في سن الثالثة عشرة، انتقل مع عائلته إلى كركوك، وبدأ كتابة الشعر، وشكل مع الشعراء فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجان دمو وصلاح فائق "جماعة كركوك". في العام 1961 نشر يوسف الخال بعضاً من قصائده في مجلة «شعر». عام 1966 توجه إلى بيروت سيراً على الأقدام، عبر الصحراء. قصد المكتبة الأميركية، طالباً أعمال آلن غينسبرغ وجاك كرواك وآخرين، وأعد ملفاً عنهم في مجلة «شعر». في بيروت التي كانت تعرف نهضة ثقافية، انكبّ على الترجمة. عام 1969 غادر إلى الولايات المتحدة، وفي سان فرانسيسكوالتقى جماعة الـ«بيتنيكس» وعقد صداقات معهم. أسهم برفد المكتبة العربية بترجمات مهمة وأمينة لشعراء كثر ونشرتها بعض المجلات العربية مثل مجلة شعر ومجلة المواقف ومجلة الكرمل. أمضى السنوات الأخيرة متنقلاً بين أوروبا وأمريكا، وخصوصاً في ألمانيا حيث حصل على عدّة منَح للتفرّغ الأدبي. توفي في برلين صباح الاثنين الواقع في 22 أكتوبر 2007.

أرشيف فلسطين الشباب