مقطع بلا أحداث

  • سراء خوالدة

لم يكن يوماً عادياً كأي يوم، منذ ذلك الصباح تغيرت حياة الكثيرين،

لم يعودوا لذلك اليوم حتى في مخيلتهم، هَول المنظر وشقاء الساعات الخمس الأولى من ذلك اليوم المشؤوم رافقتهم طيلة سنوات، ولكن بعد مرور هذه المدة كان لا بد من ترك الأمور واتخاذ النسيان كقرار جديد لا رجوع عنه. ولكن إذا عدنا في الزمن، سأروي ما حصل وسأحاول نسيان التفاصيل المؤلمة.

 

في ذلك الصباح في الرابع والعشرين من كانون الأول من تلك السنة المؤلمة، في ذلك الحي القريب البعيد، كنت جالسة في غرفتي كالمعتاد، أحاول إدخال كم من المعلومات الحسابية إلى مراكز الفهم في دماغي وتحويلها إلى مسائل مبسطة، لم يكن ذلك الصباح كأي صباحٍ آخر، فقد لاحظت تحت شباك غرفتي توقف العم أسعد وفي غير عادته عن إطعام العصافير الجائعة أمام دكانته المتواضعة، وإذا ما نظرنا في الشارع المقابل سنجد مجموعة من الشبّان الذين يتم وصفهم في مفاهيمنا المحلية بجماعة "الهَمَل" يحاولون مساعدة شخص قد علقت عجلات سيارته المتواضعة تحت أكوام من الطين بسبب الأمطار التي جاءت أيضاً بكميات ضخمة على غير المعتاد في ذلك الوقت من السنة، أما رائحة المخبز الذي يقع على بعد عدة أمتار من دكان العم أسعد فقد فَقَدَ جزءاً كبيراً من رائحته بسبب شراء الناس لكميات كبيرة منه وإقفاله مبكراً في ذلك اليوم، أحداث بسيطة جزء من أحداث كبيرة لا أرغب في ذكرها جميعها كما أسلفت سابقاً، سأروي الأحداث الأوليّة فقط لأنني كباقي سكان ذلك الحي ما زلت أحاول محو الأحداث المؤلمة بشكلٍ أو بآخر.

بعد تسلسل تلك الأحداث، سمعنا صوت دوي انفجارات ليست ببعيدة، لم يكن صوتاً عادياً بل كان كفيلاً في جعل من كان في الشارع ينبطح أرضاً غير مدرك لما حدث تماماً، نظرنا جميعنا إلى مصدر الصوت وذلك المنظر المخيف. لم نكن قد شفينا من فجيعة الإنفجار الأول فاقتربنا لنستوعب ما حدث ولننقل المصابين لأقرب مركز علاج، إلا أن الانفجار الثاني باغتنا وحدث سريعاً، لم أرى غير غبار ودماء هنا وهناك، حاولت الوقوف إلا أن ساقاي لم تساعداني أبداً، حاولت الصراخ إلا أن كمية الغبار داخل فمي لم  تسعفني في إيصال صوت أوضح أبداً.

مرّ الوقت وكأنه دهراً، اختفى العم أسعد وعصافيره، وبَقِيت السيارة عالقة وعَلِق معها للأبد الشبان الطيبون، والمخبز الذي كان قد أقفل باكراً ذلك الصباح لم يفتح بعدها أبداً، أما كمية الأمطار الضخمة كانت قد سمحت لنفسها بمحو آثار ما حصل، الأحداث الأخرى أتمنى أن لا تمسّها الذاكرة ولو للحظات خاطفة، رأفةً بقلوب كل من صادف وجوده في ذلك الحي في ذلك اليوم في ذلك الوقت وفي تلك الساعة بالذات.

 

أرشيف فلسطين الشباب