الضحك أكبر من كل التهم!

  • موسى عمايرة

"مفارقني وغيابك عني طلوع الروح.. لما بنادي وما بتسمعني تزيد جروح.. لما سألتك ليش مسافر ما رديت.. خبيت الغصة بقليبي وانتا مشيت"

وما أن همّ المغني بإكمال باقي كلمات الأغنية، حتى علا الصوت فوق صوت الموسيقى المنبعثة من هاتفي المحمول المتواضع و المختبئ رغم الحر تحت غطاء فراشي فوق السطح.. ما يشبه الرعب انتابني للحظات لمجرد التفكير بماهية ذلك الصوت "أيكون هو.. لا لن يكون.. ولكني اعرف هذا الصوت جيدا.. اعتدت عليه لسنوات خلت.. لماذا الآن، والآن بالضبط؟" أنهيت حواراً دار لثوان في خلدي.. سمحت لنفسي أن انهض قليلا فوق الوسادة وأستدير برأسي إلى الخلف، أثنيت على ذكائي الذي يتوقد وقت الأزمات "هو نفس الصوت نعم! لكن عدد سيارات الجيش فيه مبالغة هذه المرة" وكأنها اللامبالاة.. عدت وضغطت زر مشغل الموسيقى الذي كنت أوقفته، لكني أخفضت الصوت قليلا لأرى، هل ستسلك هذه السيارات إلى اليسار باتجاه المفترق الذي يوصل إلى بيتنا على بعد مائة متر؟ وكان ذلك.

أخفضت الصوت أكثر لأرى هل تتوقف أمام البيت؟ وبلا استئذان حصل هذا أيضا، حينها أقفلت الهاتف تماما و وضعته تحت وسادتي التي نامت وحيدة تلك الليلة، انتظرت القادم "من المقصود هذه المرة هل أكون أنا؟ ولماذا أكون أنا؟ هل يكون أخي؟ ولكنه لم يمض على الإفراج عنه بضعة شهور.. هل يكون أخي الآخر أو الآخر؟ لن يكونوا هم.. فهم في بيوتهم والضيف لم يخطئ البيت، فهو لا يخطئ على رأي "الحاخام" ولن يكون أبي -أعرف ذلك حقا- فسنواته الستين حتما ستنتصر على الاعتقال، لم أُطل التفكير.. ثلاثة بل أربعة جنود مدججين رأيتهم بضوء البيت الخارجي الخافت، أخذوا ساتراً مطلاً على فراشي، وقد ابتلعه الجبل العالي الذي نسكنه وتملكه جدتي ذات الثمانين.

قتلني الانتظار هذه المرة، أحس الجميع بـ"الضيوف" ففتحوا الباب من غير حفاوة، أما أنا فمازلت  رهينة لبنادق الليزر المصوبة بإتقان نحوي، أخيرا جاء الأمر أن انزل على السلم الخشبي الذي يلعنني مرارا كلما صعدت درجاته، فأنا أقسو عليه بخطوات نوم متثاقلة آخر الليل، سلَّم علي "الكابتن" بحرارة  وكأنه يعرفني منذ النكبة! وكأنه يعتذر عن زيارة بلا ميعاد، أيقنا جميعا أنني الهدف هذه المرة،  حَضَرت أمي ملابسي بسرعة، واستبدلتها على درجات البيت أمام الجنود، وعيون السماء وعيون من أفاق من الجيران.

انحنيت بلطف على حذائي الأسود امسح عنه غبار زمن تراكم عليه، لم أعرف أنني بتلك الحركة قد استفززت "الكابتن"-قائد المنطقة- الذي سخر مني "انتا رايح على السجن مش على عرس" حينها ابتسمت فاستفززته أكثر "ليش ابتضحك؟ خلاص انتا اليوم مسجون".

قبل أن أستدير نحو السيارات الجاثمات، نطقت للجموع المستنفرة داخل البيت "باي" وانتهى المشهد.

سمعت ذات الكابتن مخاطبا إياهم"رمضان كريم"   احتججت على مدى شدة الكلابش البلاستيكي، فأمر الجندي بإرخاءه قليلا.. أيقنت أن الأمور تسير على ما يرام وأنني بدأت انتصر على الرغم من هول المشهد.. لحظات الصمت القاتلة امتدت لدقائق، وسائق الجيب المسرع ترك العنان للموسيقى على وقع الكلمات العبرية. استغربت أني لم أضرب حتى الآن- بخلاف العادة- وأيقنت أنني في سيارة الضابط -قائد عملية الاعتقال- بدأ الصمت يتبدد وبدأت الأسئلة تنهال علي بالعبرية.. لاقوا صعوبة في فهم كلماتي الانجليزية، كما وجدت صعوبة أكبر في فهم أي من كلماتهم العبرية.. استنتجت أنهم في ضعف أكثر مني باللغات "هذا نصر آخر" قلت لنفسي.

تارة يتوقف الجيب للحظات فيخيم الترقب.. تارة أخرى تعلو ضحكاتي فوق موسيقاهم، إذا ما رددوا كلمات عربية مكسرة –في داخلي- كنت أسخر من مدى الصورة التي يحملونها عنا.. "أنت عدونا" قالها أحد الجنود بالإنجليزية وبلكنة أمريكية، أحسست أن اللكمات قد تنهال في أي لحظة بعد هذا السؤال، لكن رنين هاتف أحد الجنود أنقذني من الموقف. ظل الجيب يسير ومنحنى مشاعري البياني يواصل ارتفاعه ومن ثم انحداره، بميل سالب وفق أبسط قواعد الرياضيات التي مللنا سماعها.

بعد ثمانية أيام، كنت قد أنهيت جلسات التحقيق في عسقلان، كانت مليئة بالهوس، لم يكن عندي ما أخسره، لأني لا أتوق لأربح في لعبة ليست لي، وأقنعت نفسي بالبقاء عند الصفر المطلق على المستوى الديكارتي.. لم يكن عندي أجوبة للأسئلة الصعبة –على حد قول أبو وادي– المحقق منذ ثلاثين عاما والذي حاول إرهابي بهذه المعلومة، أتذكر جيدا عندما اتهمني بأني أُمَثل على المخابرات في التحقيق ولا أقول الحقيقة، انفجر طاقم التحقيق من أجوبتي –سجلت انتصارا آخر-.

كان يوم خميس، حينما وعدوني مهددين بأن يكملوا التحقيق يوم الأحد القادم، ولكنهم ما عادوا وقد جاء الأحد.. وعدوني أيضا بأن أتناول حلوى العيد في الزنازين وأنه -أبو وادي– سيحضرها بنفسه إلى زنزانتي ليتلذذ بمشاعر الهزيمة التي ستنتابني في تلك اللحظة.. ضحكت كثيرا كثيرا، وأنا أتناولها صباح العيد بجانب الأهل في البيت، تبسمت ابتسامة ككل الابتسامات الأخريات اللواتي لطالما استفززن المحققين من غير قصد مني.

لثمانية أيام أخرى مُدد توقيفي بعد انتهاء التحقيق عشتها بعوفر، كنت أتذكر لحظات التأزم بالتحقيق.. حاولت أن أنسى الزنازين وحاولت أن أنسى ذاك "السوهير" الذي كلما يأتيك ليخرجك إلى الدش أو يأتيك بطعام إلا ويسألك: متجوز؟ وعلى الرغم من الإجابة بالنفي يسألك:كديش ولد؟ تخبره بأنك غير متزوج، يسألك:كديش مرة؟ حينها ليس لك إلا أن تعبس في وجهه وتوحي له أن نكتته ما عادت تضحك.

ليلة المحاكمة.. أخبرت شباب الغرفة أن لدي "ورشة" دعاء وسأحيى الليلة لوحدي.. لم تستمر جلسة المحاكمة لأكثر من دقيقتين -حسب تقديري الذي أثق من صوابه– عرفت من المحامي الذي رأيته للمرة الأولى أنه لا توجد تهم ضدي وأنه سيفرج عني، عاجلته بسؤال: هل سأعود اليوم إلى البيت؟ أجاب بنعم.

وصلت البيت بعد 10 ساعات تقريبا من جلسة المحاكمة، داعبت أمي بأنني أفضل من باقي إخواني الكبار، لأني لم امكث طويلا مثلهم في السجن.

حتى الآن كلما سألني أحدهم "ليش ابتضحك؟" أنفجر ضاحكا أكثر وأكثر، فأنا ما زلت أتذكر هذا السؤال، فهو أكثر الأسئلة التي وُجهت لي تكرارا، وكان أكثرها  صعوبة، أكثر من كل أسئلتهم طوال تلك الرحلة المجنونة، وكأن الضحك أكبر من كل التهم، لأني وحدي أملك الإجابة، أنا أضحك الآن.. وإن كنت تريد أن أضحك أكثر فأكثر ما عليك إلا أن تسألني: "ليش ابتضحك؟".

 

 

الخليل

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

أرشيف فلسطين الشباب